خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | المعرفة

ماهي المعرفة الحقيقية ؟ وكيف نكتسبها ؟ وهل هناك علاقة خفية بين المعرفة وبين أخلاقنا ؟ وماهي غاية المعرفة ؟

عن حياة النضال: رسالة من المنفلوطي إلى تولستوي

 

MustafaLutfial-Manfaluti

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

مصطفى لطفي المنفلوطي  أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته، قام بالكثير من الترجمة لبعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية وصقلها في قالب أدبي.

 

في مطلع القرن العشرين اهتم الكُتاب العرب بتولستوي ومؤلفاته الأدبية، وتابعوا أهم تطورات حياته و مؤلفاته الفلسفية، وبوجه خاص تحدث الأدباء العرب عن نضال تولستوي ضد الأغنياء والملكية الخاصة.
ومن ضمن أولئك الأدباء، مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) وهو أديب وشاعر مصري، ولديه مؤلفات أدبية كثيرة  أشهرها كتابي (النظرات والعبرات ) أبلغ ما كُتب في العصر الحديث. وترجم عدة روايات فرنسية شهيرة، صاغها بأسلوبه الخاص صياغة عربية في غاية الروعة.
في كتاب النظرات  كتب المنفلوطي مقالة بعنوان ( إلى تولستوي) وهي رسالة مفتوحة كتبها عندما عَلِم بأمر عزلة تولستوي، فبعد معاناته من التهاب رئوي حاد وقبل وفاته بتسعة أيام ترك تولستوي بيته سرًا بصحبة سكرتيره، لينفصل عن حياته العائلية ويرتاح من شجار زوجته الدائم.

854

ليو تولستوي (1827-1910)  مؤلف وأديب ويُعدّ من أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، ذاع صيته في روسيا والعالم؛ نظرًا لإبداعاته الأدبية التي تعدُّ الأعظم على مرِّ التاريخ، لاسيما روايتي (الحرب والسلم) و(آنا كارنينا). ويعدّ تولستوي روائي ومصلح اجتماعي وداعية سلام ومفكر أخلاقي.

ابتدأ المنفلوطي مقالته بتعزية لتولستوي بسبب حالة الضيق واليأس التي كان يعيشها من أقرب الناس له، ومن المجتمع الذي لطالما كرَّس قلمه لإصلاح أخلاقه وقيمه.

حدثنا الناس عنك، أنك ضقت بهذا المجتمع الإنساني ذرعًا بعد أن أعجزك إصلاحه وتقويمه، فأبغضته وعفت النظر إليه، وأبغضت لبغضه كل شيءٍ حتى زوجك وولدك، ففررت بنفسك منه إلى غاب تسمع زئير سباعه؛ أو دير تأنس برنة ناقوسه وأسجلت أن لا تعود إليه، فعذرناك، ولم نعتب عليك؛ لأنك قاتلت فأبليت حتى لم يبقَ في غمدك سيف، والعدو كثيرٌ عدده صعب مراسه، والشجاعة في غير موطنها جنون، والوقوف أكثر من ثمانين عامًا أمام عدو لا أمل في براحه ولا مطمع في زياله عناد. وهل كان يكون مصيرك إلا مصير الفلاسفة من قبلك الذين قاتلوا حتى قُتلوا قبل أن يروا منظرًا من مناظر الصلاح والاستقامة في المجتمع البشري يعزّون به أنفسهم عن أنفسهم.

تحدث المنفلوطي عن الصراع بين تولستوي والقيصر، فتولستوي لم تعجبه حياة الشقاء والفقر التي يعيشها معظم الناس؛ بسبب قوة الإقطاع التي تضطهد الشعب، فطلب من القيصر المساواة بين الناس عندها غَضِب القيصر منه وأدى ذلك إلى ملاحقة تولستوي بدلاً من الإصغاء إلى نصائحه.

قلتَ للقيصر:

أيها الملك إنك صنيعة الشعب وأجيره لا إلهه وربه، وإنك في مقعدك فوق عرشك لا فرق بينك وبين ذلك الأكّار في المزرعة، وذلك العامل في المصنع، كلاكما مأجور على عمل يعمله فيسدده، وكلاكما مأخوذ بتبعة زلَـلِه  وسقطه، فكما أن صاحب المصنع يسأل العامل هل وفّى عمله ليمنحه أجره، كذلك يسألك الشعب هل قمت بحماية القانون الذي وَكل إليك حراسته فأنفذته كما هو من غير تبديل ولا تأويل؟ وهل عدلت بين الناس، فآسيت بين قويّهم وضعيفهم، وغنيّهم وفقيرهم، وقريبهم وبعيدهم؟ وهل استطعت أن تستخلص عقلك من يدي هواك فلم تدع للحب ولا للبغض سلطانًا على نفسك يعدل بك عن منهج العدل ومحجته؟ ..
فما سمع منك هذه الكلمات حتى أكبرها وأعظمها؛ لأنه لم يجد بين الكثير الذي يعاشره من يُسمعه مثلها، فحقد عليك ونقم منك وأزعجك من مكانك واستعان على مطاردتك بأولئك الذي أذل نفوسهم، وأفسد ضمائرهم بظلمه وجوره من قبل؛ ليعدهم لمقاتلة الحق ومصارعته في أيام خوفهِ وقلقه.

من مواقف تولستوي الجريئة، معارضته للكنيسة، وهي إحدى القوى التي تعتمد عليها الدولة في اضطهاد الشعب وسلبه حقوقه، وما كان من الكنيسة إلا أن تُعلن إبعاده نظرًا لآرائه المتعارضة معها، فكفّرته.

وقلتَ للكاهن:

إن المسيح عاش معذّبا مضطهدا لأنه لم يرضَ أن يقر الظالمين على ظلمهم، وأبى أن يخفي ذلك المصباح الذي في يده تحت ثوبهِ، بل رفعهُ فوق رأسه غير مبالٍ بنقمة الملوك على ذلك النور الذي يكشف سوءتهم، ويهتك سترهم، وأنت تزعم أنك خليفته وحامل أمانته والقائم بنشر آياته وكلماته، فما هذه الجلسة الذليلة التي أراك تجلسها تحت عروش الظالمين، وماهذه اليد التي تضعها في أيديهم؛ كأنك تأخذ عليهم العهود والمواثيق أن يقتلوا ويسلبوا باسمك، وفي حمايتك وحماية الكتاب المقدس!
ذلك ماقلت للكاهن؛ فكان جوابه أن أرسل إليك كتاب الحرمان، وهو يعلم أنك لا تعترف له بالقدرة على إعطاء أو منع، ولكنه أراد تشويه سمعتك والغضّ منك وإغراء العامة بك وصرف القلوب عنك، فكان ذلك كل ما استفدتَ من نصيحتك وعظتك.

اختتم المنفلوطي رسالته بإن ليس بوسع أي أحد إصلاح المجتمع، مادام ذاك المجتمع راضيًا بجهله وفساده وعبوديته.وهكذا انتهى الحال بـ تولستوي ولم يستجب لندائه أحد.


فهنيئًا لك أيها الرجل العظيم ما اخترتَ لنفسك من تلك العزلة المطمئنة، فقد نجوتَ بها من حياة لا سبيل للعاقل فيها إلا أن يسكت؛ فيهلك غيظًا أو ينطق؛ فيموت كيدًا.
إن الحكيم يستطيع أن يحيل الجهل علمًا والظلمة نورًا والسواد بياضًا والبحر برًا والبر بحرًا، وأن يتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء، ولكنه لا يستطيع أن يحيل رذيلة المجتمع الإنسانيّ فضيلة وفساده صلاحًا.

كولن ويلسون: كم عدد الكتب التي ينبغي امتلاكها؟

كولن هنري ولسون (1931-2013) كاتب إنجليزي ولد في ليسستر في إنجلترا. من أشهر كتبه كتابي (اللامنتمي) و(ما بعد اللامنتمي).

في كتاب (حلم غاية ما)، والذي نقلته إلى العربية الأستاذة (لطفية الدليمي)، أدرجت المترجمة مقالًا في بداية الكتاب بعنوان ” كم عدد الكتب التي ينبغي امتلاكها؟”، والذي نُشر في كتاب (الكتب في حياتي).

يقول (كولن) في افتتاحية مقالته:

في عام ١٩٥٠م، وبدفع من نصيحة مكتبيّ يعمل في لوس أنجلوس، انطلق (هنري ميلّر) في إعداد قائمة بمائة كتاب من الكتب التي عدّها الأكثر تأثيرًا في حياته، وكما يحصل في العادة اشتطّ (ميلّر) كثيرًا واندفع بعيدًا عن مخططه الأولي، وكتب مجلدًا بثلاثمائة صفحة عنوانه (الكتب في حياتي). سجّل (ميلّر) ملاحظة في مقدمة كتابه هذا يقول فيها أن كتابه سيتطور إلى مجلدات عديدة في خضم السنوات القليلة اللاحقة، ولكن الحقيقة أن المجلد ظلّ يُطبع بحجمه الأصلي ولم تحصل أي إضافات عليه كما لم تظهر أي مجلدات لاحقة تُكمل ما ابتدأه (ميلّر) في عمله الأصلي، وأرى أن بإمكاني أنا ذاتي بعمل قائمة لأكثر الكتب تأثيرًا في حياتي كنت توقعت في البدء أن تكون في حدود العشرين كتابًا وعزمت أن أرفق مع كل كتاب مقالة وافية لا تتجاوز دزينة من الصفحات، وبعدما انطلقت في وضع قائمة أولية بالكتب المطلوبة رأيت نفسي أدوّن خمسين عنوانًا من الكتب دفعة واحدة، وبدون أن أتوقف ولو لبرهة قصيرة، وتبينت أن بالإمكان بكل بساطة أن أضيف خمسين عنوانًا آخر من غير كثير جهد أو إعمال نظر طويل وكان هذا يعني أن كتابي الموعود عن حياتي مع الكتب سيكون مجلدًا بألف ومائتي صفحة في أقل تقدير، ولك أن تعلم بعد كل هذا كم كان ينبغي أن أمارس من جهد وانضباط لكي أقلل عدد العناوين بغية جعل الكتاب في حجم مقبول وقابل للتداول السهل.

يتطرق (كولن) بعد ذلك في حديثه إلى هوسه بالكتب، فيقول:

لطالما كنت طوال حياتي شخصًا مهووسًا بالكتب وهو الأمر الذي يجيب عن سبب امتلاكي لرفوف كثيرة للكتب في بيتي تحتوي على ما بين عشرين إلى ثلاثين ألف كتاب، ويمكن لك أن تتصور الحال إذا عرفت أن كل غرفة في بيتي تحتوي رفوفًا متخمة بالكتب – غرف النوم ليست مستثناة من هذا الوصف – حتى بات من المستحيل من الناحية الواقعية إيجاد فسحة لإضافة أية كتب جديدة، يوجد بضعة آلاف من الأسطوانات والشرائط الفديوية وهي كلها صارت تمثل مشكلة تخزينية جدية بالنسبة لي، ومن الطبيعي للغاية أن الزائرين يسألوني في كل مرة يرون فيها هذه الأرفف من الكتب “(كولن) هل قرأت هذه الكتب كلها؟”، ويتوجب عليّ أن أوضح الأمركل مرة: العديد من هذه الكتب تخدمني كمراجع أعود إليها عند الحاجة طالما أن المكتبة العامة بعيدة عن منزلي ولا أستطيع الوصول إليها متى كنت في حاجة للنظر إلى أحد الكتب المرجعية، وأن البعض الآخر من الكتب اقتنيته على أمل قراءته لاحقًا عند تيسّر الوقت، مثل مجموعة كتب السير (والتر سكوت) التي لم أقرأها لليوم، ولكن إذا كان يتوجب عليّ قول الحقيقة فإنني قرأت فعلًا معظم تلك الكتب وهذا يعني بالضرورة أنني لو أردت الحديث عن الكتب الأكثر تأثيرًا في حياتي لتوجب عليّ فعلًا المضي في كتابة بضع مجلدات عنها، وليس أقل من ذلك أبدًا.

ينتقل (كولن) في موضع آخر إلى الكتب التي يفضلها، فيقول: 

قد يتساءل البعض: أي نوع من الكتب كنت أحب اقتناؤه؟ أقول: كنت أقتني كل الكتب التي تتناول الموضوعات الممتعة لي، وكمثال على هذه الموضوعات: الجريمة، وأذكر أنني قرأت كتابًا عن الجريمة عنوانه (الجرائم الخمسون الأكثر إثارة للدهشة في المائة عام المنصرمة) وأحببت كتب الشعر واقتنيت المئات منها بدءًا من أعمال (شوسر) مرورًا بـ(ملتون) وحتى (تي. إس. إليوت). اقتنيت آلاف الكتب في الموسيقى، والفلسفة، والسيرة، والتاريخ، والنقد الأدبي، والعلوم، وحتى الرياضيات، وبالطبع في الرواية أيضًا، وكانت لديّ مجاميع كاملة لكل أعمال كتابي المفضلين: (ديستويفسكي)، (تيلستوي)، (برنارد شو)، (جي. إج. ويلز)، ولا زالت لديّ بعض من المجموعات التي تنتظر القراءة مثل أعمال (كارلايل) و(راسكين).

منذ أن كنت طفلًا أحببت كثيرًا شراء الكتب المستعملة وهكذا وجدت نفسي في منزلي الجديد الملآن كتبًا كمن حقق أحلامه باقتناء ما يحب من الكتب التي لطالما حلم بقراءتها، وقد اقتنيت الكتب بلا هوادة كمن يطلب الخلود لأجل أن يتوفر له الوقت الكافي لقراءة كل هذه الكتب، كما اقتنيت الكثير من الأسطوانات الموسيقية والغنائية ابتداءً من كلاسيكيات (بيتهوفن) وحتى آخر إصدارات الجاز، وعندما بلغت منتصف الأربعينات من عمري أدركت أنني لست بقادر على قراءة كل تلك الآلاف من الكتب أو سماع تلك الأعداد الهائلة من الأسطوانات وحسبت أنني لو أدمنت سماع الأسطوانات التي لديّ بمعدل عشر ساعات يوميًا فسأحتاج ما لا يقل عن عشر سنوات لسماعها كلها! ولا زلت حتى اليوم عندما أسمع تقريضًا حسنًا لسمفونية (بيتهوفن) التاسعة مثلًا أو لعمل (شتراوس) المسمى Rosenkavalier لا أستطيع مقاومة الرغبة الجامحة في إضافة هذا الإطراء إلى مجموعتي من الأسطوانات وأحسب أن هذه الشهوة الجامحة والمنفلتة تجاه الكتب والأسطوانات هي شكل مخفف من أشكال الجنون في أقل تقدير.

هذا ما حصل في نهاية الأمر إذن: أن أرى نفسي ساكنًا في منزل يعج بالكتب والأسطوانات الموسيقية في كل الأمكنة ؛ في المطبخ وغرف النوم ومدخل البيت حتى بات يحلو لزوجتي أن تسمي هذه الأكوام “مصيدة الشمس”! وبلغ بي الأمر حد أنني لم أعد أقرأ أية مراجعات حديثة للكتب خشية أن لا أكون قادرًا على مقاومة الإغراء العنيف في إضافة المزيد من الكتب إلى منزلنا المتخم بالآلاف منها.

عبدالله العروي يجيب عن: لماذا حقق الأدب الروسي هذا الانتشار الواسع؟

عبد الله العروي مثقف وكاتب مغربي معروف. لديه العديد من الأعمال الفلسفية التأصيلية في مفاهيم عديدة ولعل أبرزها مفهوم الحرية. و احتوى نتاجه الإبداعي على دراسات في النقد الإيديولوجي وفي تاريخ الأفكار والأنظمة وأيضا العديد من النصوص الروائية.

نجيب في هذه المقالة عن تساؤل يخص دستوفسكي والرواية الروسية، باقتباس من كتاب (من التاريخ إلى الحب) في حوار أجراه (محمد الداهي) مع (عبدالله العروي) عن الرواية ونقدها فيقول:

لوحظ، إلى حد قريب الانتشار الواسع للأدب الروسي في جلّ بقاع العالم بما في ذلك فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، فروايات (ديستويفسكي)، (تولستوي)، و(سولجنستن)، (سولفييف) و(غوركي) .. الخ حققت نجاحا كبيراً في مبيعاتها وفي استمالة وفتن عدد كبير من القراء. وفي هذا الصدد نورد تعبيراً مجازيًا للشاعر البولوني ميلوز، زيصلو C.Z.MI-LOSZ الحائز على جائزة نوبل في الآداب لسنة 1981: “أن ترى الفيل لايمكن لك أن تزعم أنك لاتراه. إن العظيم يهيمن دائمًا”. لم فرض الأدب الروسي عامة والإنتاج الروائي خاصة همينته على العالم بأجمعه؟ ولم أنتجت روسيا بالذات روائيين من حجم (دوستويفسكي)؟

هذا سؤال عويص جداً، بالطبع لأن له جوانب متعددة، يمكن أن يكون للكاتب تأثير واسع. يمكن أن يؤثر في مجتمعات مختلفة لأسباب عدة، ومع ذلك لايكون في قمة الفن الروائي. فدوستوفسكي مثلاً لاشك أنه من كبار الروائيين، لكن هل هو من المبدعين في هذا الفن؟ أنا لا أشاطر، تمامًا، من يقول بهذا الرأي. لماذا؟ لسبب واضح بالنسبة لي، وهو أنني حين أعود إلى الكيفية التي كتب بها ديستوفسكي قصصه، يجب على الإنسان  ألا ينسى أن هناك دوافع شبه مادية تحكمت في الكيفية التي تصور بها (دوستوفسكي) فن القصة. كان مفروضًا عليه أولاً أن يكتب رواية طويلة جداً، إذ، في القرن التاسع عشر، كان الكاتب يتعيش من روايته. فعليه أن يكتب رواية طويلة جداً مليئة بالشخوص والمفاجآت والأدوار .. الخ..، وهذه ظاهرة نعانيها عند ديكنز أو بلزاك..إلخ.

ثانيا: إنه كان لايكتب الرواية بل كان يمليها إلى حد أن زوجته الثانية “آنا جريجوربيفنا” كانت هي الكاتبة التي تكتب مايمليه على نحو مختصر، ثم بعد ذلك تنشره. وهذا بالطبع له تأثير على تقنية الرواية كونك تملي عوض أن تكتب بيدك وقلمك.

ثالثًا: وهذا واضح بالنسبة لمن يقرأ الكتاب الذي يحمل عنوان يوميات كاتب “Joutnal d’un ecrivain”، وهو عبارة عن مقالات كان ينشرها (ديستوفسكي) في مجلة دورية (سنوية) يشرف هو نفسه عليها. وكان هو المساهم الوحيد فيها تقريبًا. فمن يقرأ هذه المقالات يرَ أن الأفكار الموجودة فيها، وهي أفكار سياسية واجتماعية وتاريخية، تتكلم عن الجنس السلافي، وعن الديين المسيحي، وخاصة الاورثوذوكسي، عن علاقة السلاف بالجرمان والأتراك..الخ، ويلاحظ أن هذه الأفكار هي بالضبط، الافكار التي توجد مشخصة في رواياته الكبرى مثلا: (الأخوة كرامازوف). فمن يقرأ هذه الرواية ستطالعه خذخ الجملة: “كل منا يريد أن يغتال أباه”. فالمرء يتعجب من هذه الجملة، سيقول هذا هو التعمق في نفسانية الإنسان، لكن، إذا تذكر أن المعنى الوحيد وهو أن الأب عنده هو روسيا، وأن الكلام هو على اتجاهين حيث يمثل كل أخ اتجاها. الاتجاه الغربي وهو التنكر لروسيا، واتجاه للماضي وهو نوع آخر. وبجانبهما الأخ الثالث (أليوشا) هو الذي يتردد بين الاخوين، ولايعرف من كان أكثر تنكرًا لروسيا؛ أي من اغتال أباه، حينئذ تكمن النقطة في تشخيص القضية وتجسيدها وفي جعل القضية قضية تاريخ وجعلها قضية نفسانية وقضية شخص. ولكن عندما يعبر عنها تمر من التعبير الفردي والنفساني إلى التغيير التاريخي، وتتضح الامور فتبدو واضحة تمامًا ولم يبق في ذلك شيء من التعمق الذي يبدو للقارئ السطحي والساذج. وما يقال عن (الاخوة كرامازوف) يقال عن باقي الروايات. فلذلك تبقى نقطة، وهي كيف تفسر أن هذا الكاتب يكتب في مسائل خاصة جداً بروسيا، وهي قضايا محددة اجتماعيًا وتاريخيا: اجتماعيا لأنه يتكلم باسم أولئك الذين كانوا من قبل أقنانا ولم يتحرروا إلا فيما بعد. لا ينبغي أن ننسى أن جد (دوستوفسكي) كان قنًا مملوكا لايملك نفسه ولاحريته، ولذلك هذه هي علاقته مع (تولستوي): هي علاقة القن بالنبيل الشريف الذي كان دائما وباستمرار حرا، وله صفحات حول هذه المقارنة، وهي من أهم ماكتب في فن تولستوي، فإذن هناك جانب اجتماعي، وهناك جانب تاريخي وهو روسيا أمام أوروبا. ولازلنا نرى للان أهمية هذا الجانب ،

فأقول: كيف نفسر أن هذه أمور خاصة بروسيا، ومع ذلك ومع ذلك يتفهمها القارئ في المغرب واوروبا والصين وأمريكا اللاتينية؟

أظن وهذا هو رأيي، أن هذه النقطة ليست خاصة بروسيا وإنما هنا يكمن الإبداع، فهذه النقطة نجد مايشبهها في الآداب الأوروبية الأخرى. نجدها، مثلاً، في انجلترا في قصص الروايات التاريخية لوالترسكوت. لكن حين كتبها هذا الأخير كانت مشكلة قديمة مرت عليها 3 قروون، وصار يتكلم عنها كشيء من ماض في روايات تاريخية. كذلك نجد الشيء نفسه عند الفرنسيين أو الألمان، لكن، وباستمرار، باعتبارها مشكلة متجاوزة، في حين إن روسيا تتداخل فيها الأزمنة وتصبح المشكلة قديمة بالنسبة للآخرين. ولكنها حاضرة بالنسبة لروسيا، ومستقبلية بالنسبة لشعوب أخرى. فهي دائمًا في برنامج العمل يقرأها الأوروبي الغربي، ويتفهمها لأنها من ماضيه. ويقرأها السلافي ويتفهمها لأنها حاضرة، وباستمرار تجد الشعوب الأخرى تجاوبًا معها عندما تحس الشعوب أنها تمر بالأزمة نفسها. ففي نظري هذا هو السر في مايمكن أن نسميه وقتية (ديستوفسكي) الدائمة، لاتتجاوز أبدًا.

ولكن، وكما نرى، هذه ظاهرة تاريخية واجتماعية، مالجانب الفني؟

قيل، مرة لـ(همنغواي)، اقرأ (ديستوفسكي). وبعد قراءته قال: كيف يمكن لكاتب كبير مثله أن يكون أسلوبه بهذه السهولة، وعدم الدقة في انتقاء الكلمات والتعابير المناسبة؟ وهذا واضح في رواياته، ومع ذلك نعتبره من كبار الكتّاب، مع أننا لانجد عنده جملة واحدة يمكن أن نعتبرها دقيقة في تعبيرها .. نقول إن ذلك يدل، فقط، على أن الرواية في بعض الأحيان تكون قصة طويلة يتغلب فيها الجانب التاريخي والاجتماعي على الجانب الفني. عندما يقال، مثلا، شاعرية (دستوفسكي)، يجب أن نعلم أننا نتكلم عن هذه الشاعرية كما لو كنّا نتكلم عن شاعرية فيلم أو مسلسل سينمائي، وليست شاعرية اللغة وإنما شاعرية المناظر .. على أي حال، في نظري، لايمثل (دستوفسكي) في فصل من روايته (المراهق) وهي قصة غير معروفة، لكن تعتبر من أروع ماكتب، أقصر من رواياته الأخرى لكنها عميقة جدًا، وفيها قسم لم ينشر، فيه ثمان صفحات يميز فيه عمله وعمل (تولستوي). يقال أن (تولستوي)، باعتباره سليل أسرة نبيلة، سليل روسيا الحاكمة، يعيش في جو الجمال، ويعبر عن الجمال دون إرهاق أو مجاهدة، أما أنا – سليل المسعبدين- فلا أعرف من الجمال شيئا، وأحاول أن أصل إلى جمال آخر، جمال لم يحلم به أبدًا (تولستوي)، وبالفعل لمّا تفكر في جو دوستوفسكي تجده بعيدا عن الهاجس الجمالي، جو الحزن والفقر والقتامة، ولكن، من خلال كل ذلك له هاجس من نوع آخر، الجمال الروحي. فعنده صفحة من أروع ماكتب عن جمال المرأة الروسية. فهي لاتكون جميلة إلا مدة عشر سنوات بين عشرين وثلاثين سنة؛ ولهذا السبب فجمال المرأة الروسية جمال عابر جدًا. فهذاالحس بالجمال لا أجده عند (نجيب محفوظ).

دانيال بناك: لا يتحمل فعل “قرأ” صيغة الأمر

دانيال بناك  كاتب سيناريو وأديب ، وروائي فرنسي ولد في الدار البيضاء (1944)، اشتهر بحبه وشغفه اتجاه القراءة حتى أنه خصص مؤلفات للغوص في عالم القراءة وفهم الكيان البشري اتجاه علاقته بالكتب والقراءة، ومن الملفت في الأمر أنه لم يكن طالباً متفوقاً بعكس كثير من الكتاب والأدباء، لكنه حصل على عدة جوائز في كتابة النثر والقصص القصيرة ومن أشهر مؤلفاته في عالم القراءة كتاب (متعة القراءة) الذي حقق مبيعات عالية بين القراء، حيث يناقش الكتاب عدة مواضيع ذات صلة أهمها “ولادة الكيمياء” الذي يتحدث من خلالها عن اختلاف ثقافة القراءة بين الأجيال.

يفتتح صفحاته بقول:

لا يتحمل فعل “قرأ” صيغة الامر. وهو اشمئزاز تشاطره عدة أفعال “أحب” .. وفعل “حلم” طبعاً تبقى المحاولة ممكنة. هيا لنحاول : “أحبني!”أحلم!”اقرأ“، أقول لك “أقرأ أمرك أن تقراً!”

والنتيجة؟؟ لا شيء .

وتزداد عدم قدرتنا على فهم الاشمئزاز من القراءة خاصة إذا كنا ننتمي إلى جيل، إلى مرحلة، إلى وسط إلى عائلة، حيث كانت النزعة السائدة تقوم بالأحرى على منعنا من القراءة.

– هيا توقف عن القراءة ستهلك عينك!

– من الافضل أن تخرج للعب ، فالطقس رائع

– أطفي النور فالوقت متأخر!

لا حظوا أن الفعل في الحالتين، حالة السماح بالقراءة أو منعها، قد صرف بصيغة الأمر. حتى في الماضي كنا كما نحن الآن. لقد كانت القراءة حينذاك فعل تمرد!! فإضافة إلى اكتشاف الرواية كانت هناك الإثارة التي يولدها عدم الخضوع لإرادة الأهل. روعة مضاعفة، اه يا لذكرى ساعات القراءة تلك التي كنا نختلسها، متخفين تحت اللحاف على ضوء المصباح اليدوي! كم كانت (أنا كارنينا) تعدو بسرعة بسرعة نحو (فرونسكي) في الساعات من الليل لقد كانا يعشقان بعضهما البعض رغم إرادة الأب والأم، ورغم وظيفة الرياضيات التي كان من الواجب إنهاؤها، ورغم موضوع الفرنسي الواجب تسليمه، ورغم الغرفة الواجب ترتيبها لقد كانا يعشقان بعضهما البعض بدل أن يجلسا إلى مائدة الطعام، تباً كم كان جميلاً ذلك الحب وكم كانت الرواية قصيرة.

وعن اختلاف الاجيال في شغف الاطلاع والتعلم كتب (بناك) قائلاً:

إن العقود التي تفصل بين جيل أطفالنا وشبابنا نحن كقراء تعادل قروناً من الزمن بحيث أن، إن كنا نشعر، نفسياً أقرب إلى أطفالنا من قرب أبائنا إلينا فإننا، فكرياً، بقينا أقرب إلى أبائنا.

عند هذه النقطة، جدل ،نقاش، تحديد لمعاني المنصوبات “نفسياً و فكرياً“. تعزيز بمنصوب أخر: عاطفياً

– أقرب إليهم عاطفيا

– لم أقل فعلياً، قلت عاطفيا

– أي أننا، بكلام أخر أقرب إلى أطفالنا عاطفياً، لكن أقرب إلى أبنائنا فعلياً

– أهذا ما أردت قوله؟

– هذه حالة اجتماعية تراكم حالات اجتماعية يمكن تلخيصها على الشكل التالي: أطفالنا هم أبناء وبنات عصرهم بينما نحن لم نكن سوى أطفال أهالينا

– طبعاً عندما كنا مراهقين لم نكن زبائن مجتمعنا. أقول زبائن من وجهة نظر تجارية وثقافية. كان المجتمع يومها مجتمع بالغين. ثياب مشتركة. كان الاخ الاصغر يرث ثياب الاخ الاكبر، كنا نأكل نفس الوجبات، في نفس الوقت الطاولة، كنا نقوم بنفس النزهات يوم الاحد وكان التلفزيون يربط جميع أفراد العائلة أمام نفس القناة ومن ناحية القراءة كان هم الاهالي الوحيد هو في وضع بغض الكتب على الرفوف التي لا يمكن أن نطالها

– أما الجيل الاسبق، جيل أجدادنا، فقد كان يحرم بكل بساطة القراءة على الفتيات خاصة قراءة الروايات، لان الخيال خراب البيوت وهذا ليس في صالح الزواج

– بينما اليوم .. يُعد المراهقون زبائن حقيقين في مجتمع يُلبسهم ويسليهم و يغذيهم ويثقفهم. في مجتمع تتكاثر فيه المطاعم  الماكدو وماركات الوستون و الشوفنيون وغيرها. كنا نقرأ كتاباً، والان يطرقون كاستيات … كنا نحب التواصل على أنغام  البيتلز، بينما ينغلقون على أنفسهم تحت سماعة الوكمان.

وأن لم يكن الذنب ذنب التلفزيون أو الجنون الاستهلاكي فسيكون خطاً المدرسة: تعلم المدرسة بشكل خاطئ، عدم ملائمة البرامج المدرسية، عدم كفاءة المدرسين، سوء حالة الصفوف، قلة المكتبات، ميزانية وزارة التعليم .. شيء بائس والحصة الضئيلة جداً المخصصة للكتاب.

– كيف يمكن لابني أو لابنتي، كيف يمكن لا طفالنا، للشباب، أن يقرأون ضمن هذه الشروط

– بالمناسبة الفرنسيون يقرأون أقل فأقل

وعن الحميمية المفقودة في طقس القراءة اليوم، يقول (بناك):

عندما نعاود التفكير، الان وقد بدأ الارق في طقس القراءة الذي كنا نقوم به كل مساء حافة السرير في ساعات محددة وبحركات لا تتغير فأننا نرى هذا الطقس أشبه بطقس الصلاة تلك الهدنه المفاجئة بعد صخب النهار، تلك اللقيا خارج كل الحوادث المحتملة ذلك الصمت القدسي قبل أولى كلمات القصة نعم كانت تلك القصة المقروءة كل مساء تحقق أجمل وظائف الصلاة، الوظيفة الاكثر تجرداً، والاقل صخباً، والتي لا تعني إلا البشر: غفران الاساءة. لم يكن هناك أي اعتراف بالذنوب، أو أية محاولة للحصول على حظنا من الخلود، بل كانت فقط لحظة مشاركة قربانيه فيما بيننا، لحظة غفران النص، لحظة عودة إلى الفردوس الوحيد الذي له القيمة الحميمة. حينها اكتشفنا دون وعي إحدى أهم وظائف الحكاية، وبشكل أوسع إحدى وظائف الفن بعامة، والتي تكمن في فرض هدنه على صراع البشر وهكذا كان الحب يكتسي ثوباً جديداً مجاناً، دون أي هدف نفعي كان كل شيء يتم في عالم المجانية، المجانية عملة الفن الوحيدة .

 

مواقع ومجلات علمية عربية لابد من متابعتها

قد يشتكي البعض بسبب قلة المجلات والمواقع العلمية باللغة العربية مقارنة باللغات الأخرى، وفي الحقيقة هذا الكلام فيه كثير من الصحة إلا أن هناك عدد من المجلات والمدونات العلمية العربية التي لم تنل حظها من التسويق والنشر والتي قد تغطي نقصاً كبيراً في المحتوى العربي. أدناه قائمة بتلك القنوات وسنقوم على تحديثها باستمرار.