خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | المعرفة

ماهي المعرفة الحقيقية ؟ وكيف نكتسبها ؟ وهل هناك علاقة خفية بين المعرفة وبين أخلاقنا ؟ وماهي غاية المعرفة ؟

دانيال بناك: لا يتحمل فعل “قرأ” صيغة الأمر

دانيال بناك  كاتب سيناريو وأديب ، وروائي فرنسي ولد في الدار البيضاء (1944)، اشتهر بحبه وشغفه اتجاه القراءة حتى أنه خصص مؤلفات للغوص في عالم القراءة وفهم الكيان البشري اتجاه علاقته بالكتب والقراءة، ومن الملفت في الأمر أنه لم يكن طالباً متفوقاً بعكس كثير من الكتاب والأدباء، لكنه حصل على عدة جوائز في كتابة النثر والقصص القصيرة ومن أشهر مؤلفاته في عالم القراءة كتاب (متعة القراءة) الذي حقق مبيعات عالية بين القراء، حيث يناقش الكتاب عدة مواضيع ذات صلة أهمها “ولادة الكيمياء” الذي يتحدث من خلالها عن اختلاف ثقافة القراءة بين الأجيال.

يفتتح صفحاته بقول:

لا يتحمل فعل “قرأ” صيغة الامر. وهو اشمئزاز تشاطره عدة أفعال “أحب” .. وفعل “حلم” طبعاً تبقى المحاولة ممكنة. هيا لنحاول : “أحبني!”أحلم!”اقرأ“، أقول لك “أقرأ أمرك أن تقراً!”

والنتيجة؟؟ لا شيء .

وتزداد عدم قدرتنا على فهم الاشمئزاز من القراءة خاصة إذا كنا ننتمي إلى جيل، إلى مرحلة، إلى وسط إلى عائلة، حيث كانت النزعة السائدة تقوم بالأحرى على منعنا من القراءة.

– هيا توقف عن القراءة ستهلك عينك!

– من الافضل أن تخرج للعب ، فالطقس رائع

– أطفي النور فالوقت متأخر!

لا حظوا أن الفعل في الحالتين، حالة السماح بالقراءة أو منعها، قد صرف بصيغة الأمر. حتى في الماضي كنا كما نحن الآن. لقد كانت القراءة حينذاك فعل تمرد!! فإضافة إلى اكتشاف الرواية كانت هناك الإثارة التي يولدها عدم الخضوع لإرادة الأهل. روعة مضاعفة، اه يا لذكرى ساعات القراءة تلك التي كنا نختلسها، متخفين تحت اللحاف على ضوء المصباح اليدوي! كم كانت (أنا كارنينا) تعدو بسرعة بسرعة نحو (فرونسكي) في الساعات من الليل لقد كانا يعشقان بعضهما البعض رغم إرادة الأب والأم، ورغم وظيفة الرياضيات التي كان من الواجب إنهاؤها، ورغم موضوع الفرنسي الواجب تسليمه، ورغم الغرفة الواجب ترتيبها لقد كانا يعشقان بعضهما البعض بدل أن يجلسا إلى مائدة الطعام، تباً كم كان جميلاً ذلك الحب وكم كانت الرواية قصيرة.

وعن اختلاف الاجيال في شغف الاطلاع والتعلم كتب (بناك) قائلاً:

إن العقود التي تفصل بين جيل أطفالنا وشبابنا نحن كقراء تعادل قروناً من الزمن بحيث أن، إن كنا نشعر، نفسياً أقرب إلى أطفالنا من قرب أبائنا إلينا فإننا، فكرياً، بقينا أقرب إلى أبائنا.

عند هذه النقطة، جدل ،نقاش، تحديد لمعاني المنصوبات “نفسياً و فكرياً“. تعزيز بمنصوب أخر: عاطفياً

– أقرب إليهم عاطفيا

– لم أقل فعلياً، قلت عاطفيا

– أي أننا، بكلام أخر أقرب إلى أطفالنا عاطفياً، لكن أقرب إلى أبنائنا فعلياً

– أهذا ما أردت قوله؟

– هذه حالة اجتماعية تراكم حالات اجتماعية يمكن تلخيصها على الشكل التالي: أطفالنا هم أبناء وبنات عصرهم بينما نحن لم نكن سوى أطفال أهالينا

– طبعاً عندما كنا مراهقين لم نكن زبائن مجتمعنا. أقول زبائن من وجهة نظر تجارية وثقافية. كان المجتمع يومها مجتمع بالغين. ثياب مشتركة. كان الاخ الاصغر يرث ثياب الاخ الاكبر، كنا نأكل نفس الوجبات، في نفس الوقت الطاولة، كنا نقوم بنفس النزهات يوم الاحد وكان التلفزيون يربط جميع أفراد العائلة أمام نفس القناة ومن ناحية القراءة كان هم الاهالي الوحيد هو في وضع بغض الكتب على الرفوف التي لا يمكن أن نطالها

– أما الجيل الاسبق، جيل أجدادنا، فقد كان يحرم بكل بساطة القراءة على الفتيات خاصة قراءة الروايات، لان الخيال خراب البيوت وهذا ليس في صالح الزواج

– بينما اليوم .. يُعد المراهقون زبائن حقيقين في مجتمع يُلبسهم ويسليهم و يغذيهم ويثقفهم. في مجتمع تتكاثر فيه المطاعم  الماكدو وماركات الوستون و الشوفنيون وغيرها. كنا نقرأ كتاباً، والان يطرقون كاستيات … كنا نحب التواصل على أنغام  البيتلز، بينما ينغلقون على أنفسهم تحت سماعة الوكمان.

وأن لم يكن الذنب ذنب التلفزيون أو الجنون الاستهلاكي فسيكون خطاً المدرسة: تعلم المدرسة بشكل خاطئ، عدم ملائمة البرامج المدرسية، عدم كفاءة المدرسين، سوء حالة الصفوف، قلة المكتبات، ميزانية وزارة التعليم .. شيء بائس والحصة الضئيلة جداً المخصصة للكتاب.

– كيف يمكن لابني أو لابنتي، كيف يمكن لا طفالنا، للشباب، أن يقرأون ضمن هذه الشروط

– بالمناسبة الفرنسيون يقرأون أقل فأقل

وعن الحميمية المفقودة في طقس القراءة اليوم، يقول (بناك):

عندما نعاود التفكير، الان وقد بدأ الارق في طقس القراءة الذي كنا نقوم به كل مساء حافة السرير في ساعات محددة وبحركات لا تتغير فأننا نرى هذا الطقس أشبه بطقس الصلاة تلك الهدنه المفاجئة بعد صخب النهار، تلك اللقيا خارج كل الحوادث المحتملة ذلك الصمت القدسي قبل أولى كلمات القصة نعم كانت تلك القصة المقروءة كل مساء تحقق أجمل وظائف الصلاة، الوظيفة الاكثر تجرداً، والاقل صخباً، والتي لا تعني إلا البشر: غفران الاساءة. لم يكن هناك أي اعتراف بالذنوب، أو أية محاولة للحصول على حظنا من الخلود، بل كانت فقط لحظة مشاركة قربانيه فيما بيننا، لحظة غفران النص، لحظة عودة إلى الفردوس الوحيد الذي له القيمة الحميمة. حينها اكتشفنا دون وعي إحدى أهم وظائف الحكاية، وبشكل أوسع إحدى وظائف الفن بعامة، والتي تكمن في فرض هدنه على صراع البشر وهكذا كان الحب يكتسي ثوباً جديداً مجاناً، دون أي هدف نفعي كان كل شيء يتم في عالم المجانية، المجانية عملة الفن الوحيدة .

 

مواقع ومجلات علمية عربية لابد من متابعتها

قد يشتكي البعض بسبب قلة المجلات والمواقع العلمية باللغة العربية مقارنة باللغات الأخرى، وفي الحقيقة هذا الكلام فيه كثير من الصحة إلا أن هناك عدد من المجلات والمدونات العلمية العربية التي لم تنل حظها من التسويق والنشر والتي قد تغطي نقصاً كبيراً في المحتوى العربي. أدناه قائمة بتلك القنوات وسنقوم على تحديثها باستمرار.

المرجعية والمنهج، لدى احمد مرزاق

المرجعية والمنهج (دراسة نظرية تطبيقية) 

IMG_٢٠١٧١١٢٧_١٧١٤٠٣_٨٩٣

د.أحمد مرزاق، من مواليد مدينة وجدة المغربية عام 1974، حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث عام 2010، يعمل معلما في التعليم الثانوي

يثيركتابه (المرجعية والمنهج) أسئلة معرفية مهمة، حول المرجعية والمناهج، ومنها تصل الأسئلة لمدى اعمق، حول الهوية الثقافية، والتمايز الحضاري بين الأمم، ولا يدعي تقديم اجوبة كاملة بقدر ما يحاول فتح الطريق للوصول إلى الوعي بها، والبحث عنها.

فيقول في مقدمة  الكتاب:

يتطلب الحديث عن المنهج فتح ملفات تطول تراثا بأكمله، تراثا يبدأ مما يسمى النهضة العربية إلى حدود الوقت الراهن، لكي نسأل ونلح في السؤال عن المناهج القارئة والمفككة للتراث والواقع، فنحن قد نكون دخلنا في طريق مسدود منذ اللحظة التي أقصي فيها سؤال المنهج وعلاقته، الوصل أو الفصل، بالمرجعية، إذ كان الأولى أن ننقب في مجموعة قضايا أولها وأهمها قضية المفهوم، وهي من اخطر القضايا واعوصها.

يذهب الباحث التونسي عمر الشارني إلى أن المصطلح (يرتبط ارتباطا متينا بأرضه وموضعه الذى نشأ فيه -المقصود بالموضع هنا حقل معرفي معين -لا يغادره إلا وتعرض حتما للتشويه، وعلينا أن نعلم أن المفاهيم العلمية ضاربة في الخصوصية، غير قابلة لأن يتحول بعضها إلى بعض). مما يعني أن المصطلح متجذر في تشكيل حضاري، له لغته المعجمية والحضارية.

لهذا استعارة المفاهيم من حقل معرفي إلى حقل آخر قد يحمل مخاطر ومزالق، أما نقلها من نظام معرفي، أو مجال حضاري معين، واستنباتها داخل نظام آخر مغاير لا يؤدي إلى النسف، بل إلى خلخلة وشل الحركة داخل المنظومة المستورِدة، خصوصا إذا تم هذا الإستيراد في لحظة الوهن الحضاري.

وثاني هذه القضايا قضية تداخل الحقول المعرفية، فهذا التداخل يفرض على كل قارئ، الإلمام بالسياسات المختلفة للعلوم ليلاحظ الوشائج والعلاقات التي تقيمها هذه العلوم فيما بينها.

وقد حاولت في هذا البحث أن أشير إلى العلاقات التي تربط الحقول المعرفية، الفلسفية والإنسانية، والطبيعية والأدبية فيما بينها، وهذه الإشارة دافعها الأساس هو الكلام الكثير الذى نسمعه، في مجال المعرفة العربية عامة، والدراسات الأدبية خاصة، عن الأستعارة، الإستلهام، الإستيحاء، الإقتراض، النحت، التركيب، التكييف، التطبيق، التوظيف. وغيرها من المصطلحات التي تخفف من عملية النقل من خزان المعرفة الغربية، ثم الحديث المتواصل عن الفصل بين الدين المسيحي واليهودي والمعرفة الفلسفية أو الأدبية.

هذا الدافع يلح على اعادة الإعتبار للسؤال والشك في كل شيء، ومن هذا المنطلق جاء البحث عبارة عن سؤال كبير هو: ما علاقة المنهج بالمرجعية؟ بكل مكوناتها: الدين، الأسطورة، العلم، الثقافة؟

ثم يقول في سؤال المنهج والمرجعية:

يخلص الباحث السعودي سعد البازعي، في دراسته التي قدمت إلى ندوة (إشكالية التحيز)، إلى نتيجة مفادها أن ( القول بإمكانية فصل المنهج عن سياقه دون إحداث أية تغييرات، أو بعد ادخال تعديلات طفيفة، هو نوع من الوهم الذى سرعان ما يتكشف تحت محك التحليل التاريخي للخلفية الثقافية الفلسفية التي تحملها تلك المناهج)

تأتي تلك النتيجة بعد إقراره أن الناقد العربي مخير بين أمرين: إما أن يعمل على تطبيق المنهج المستورد كما هو، والنتيجة هنا هي إساءة فهم المادة الأدبية، وإما يعمل على تغييره تغييرا جذريا، فيصبح أمام منهج جديد لا صلة له بالمنهج الأول.

وأظن أن القضية نفسها وما يتعلق بالإختيار الثاني خاصة، قد عالجها أبو القاسم حاج حمد، حينما تعرض المحاولات التي رامت تطعيم الماركسية بالنزعة الإنسانية، يقول: ” حين يتفاءل احمد حيدر بالنزعة الإنسانية، عليه أن يتذكر أن هذه النزعة الإنسانية هي نزعة خارجية (ذاتية)، وبالتالي فإن كل محاولات التجديد في الفكر الماركسي لا تعني سوى نهاية الماركسية نفسها.

لماذا نهاية الماركسية؟  لأن ” تجريد الماركسية من الجبرية، ليتخذ الديالكتيك مكانة بحرية في حياة الإنسان، منطلقا من الحوار بين الذات والموضوع، هو أمر غير ماركسي”، يعني هذا أنه حين يختار الباحث منهجا معينا، للتعامل مع حقل من حقول المعرفة الإنسانية، فهو ملزم بمجموعة من الثوابت والسمات التي تؤسس المنهج، وتحدد خصوصيته بالمقارنة مع منهج آخر، وعليه فلا يمكن مثلا أن يكون الباحث بنيويا وتفكيكيا في الوقت نفسه.

هذا القول بالتلازم بين الخلفية الحضارية وبين المنهج ليس جديدا في الثقافة العربية الإسلامية، ولا نشاطر البازعي رأيه في قوله إن الآراء في هذا التلازم ( لا تكاد تتجاوز القناعة البداية)، لأننا نملك نماذج معينة حاولت التصدي لهذا الإشكال، والمساهمة بالفعل في اضاءته عبر مجموعة من مؤلفاتها، أولها شيخ الإسلام ابن تيمية، من خلال مصنفة( الرد على المنطقيين)، فهو يعتقد أن ( المدخل الفعال لإصلاح عقائد اهل عصره،  يتم عبر اصلاح طرق تفكيرهم، ولما كان المنطق الأرسطي هو “الأرغانون” أو القانون الناظم لذلك العقل، فقد كان لابد من التوجه لدحض أسسه الفلسفية).

فيصبح بذلك منطق أرسطو منطقا للغة اليونانية، وليس لكل اللغات، لكن الثورة الفلسفية التي دعا لها -ابن تيمية – أهملت، كما أهملت قبلها ثورة الغزالي، الذى رأى ومن خلال نقده للفلسفة اليونانية، أن ( العقل الإنساني قادر على العلم الوضعي، وأنه يبقى جدليا في الإشكالات الماورائية)، فهذا العمل الجبار الذى قام به لدحض الفلسفة كان أهم إسهام ايجابي له في تاريخ الفكر الإنساني.

والتأسيس للعقل العلمي أو للعلم الوضعي الذى قام به الغزالي ستظهر نتائجه في لحظتين مختلفتين: لحظة النهضة الأوروبية، ولحظة ابن خلدون، فهو ايضا وقف موقفا حازما من الفلسفات الحلولية الغنوصية، وكذلك من المنطق.

النموذج الثاني الذى يقف مستوعبا لخصوصية المعرفة،  أو لإشكالية التحيز في الإبداع البشري، هو حازم القرطاجني، حيث يقول:
” فإن الحكيم أرسطوطاليس، وإن كان اعتنى بالشعر بحسب مذاهب اليونانية فيه، ونبه على عظيم منفعته وتكلم في قوانين عنه، فإن اغراض اليونانية إنما كانت اغراضا محدودة في أوزان مخصوصة، ومدار جل اشعارهم على خرافات كانوا يضعونها/ يفرضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود، ويجعلون احاديثها أمثالا وأمثلة لما وقع في الوجود، وكانت لهم ايضا امثال في اشياء موجودة نحوا من امثال كليلة ودمنة،  وكانت لهم طريقة ايضا، في اشعارهم،  يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصاريفه، فأما غير هذه الطرق فلم يكن لهم فيها كبير تصرف، كتشبيه الأشياء بالأشياء، فإن شعر اليونانيين ليس فيه شيء منه، وإنما وقع في كلامهم التشبيه في الافعال لا في ذوات الأفعال”

المهم من كل هذا هو أن هناك محاولات كانت في جوابها على سؤال العلاقة بين المرجعية والمنهج مستوعبة للإشكال، وهذا يظهر جليا في مثال ابن تيمية، الذى يرى أنه لا يتم دحض المناهج- هنا المنطق – إلا عبر دحض أسسها الفلسفية، ومستوعبة ايضا لقيمة التمايز، ولو بشكل متفاوت بين مجالين حضاريين، وإلم تصدر عنه في كل انشطتها المعرفية كما رأينا مع الغزالي.

هذا التمايز وهذا الوعي سيلغى مع عميد الأدب العربي، وذلك لكي نُشعِر الأوروبي بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونقوم الأشياء كما يقومها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها.

ألأن المغلوب مولع بتقليد الغالب، أم لأن الذات التي كانت تستحضر ككيان مستقل فب مواجهة الآخر لم تعد عذراء، بل مغتصبة بعدما أعيد ترتيب داخلها، بشكل يخدم الإتجاه النازع نحو توحيد العالم وتنميطه.

فنحن حسب طه حسين، لو اخذنا نتائج العقل الإسلامي كلها فستعود وتؤول لتتطابق مع ” المركز” وهو “المرآة”، فكل شيء عند “الأنا” ينحل ليعود إلى الأصل اليوناني أو الروماني أو التوراتي المسيحي، وهو عينه ما فعله الإستشراق، وإن كانت للإستشراق دوافعه.

فطه حسين وهو يستعين بالفرنسي بول فاليري، الذى شخص العقل الأوروبي فأرجعه إلى اليونان ( فلسفة، أدب، فن)،  وإلى الرومان ( سياسة، فقه)،  وإلى المسيحية ( دعوة إلى الخير والإحسان). نسي وهو في هذه الزحمة منهجة الديكارتي الذى كان قد تبناه، ونسي القاعدة الأولى والأساسية بتعبيره لهذا المنهج وهي: (أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وطه حسين باعتباره (المرجع لنهضتنا العلمية في الدراسات الأدبية)، كما يزعم شوقي ضيف،  كان أول من دشن الإشكالية المنهجية التي ستتعاظم مع مرور الزمن، أعني إخضاع الذات الثقافية بجوانبها المتعددة، لمعيار غربي، والنظر إليها بمنظور الآخر.

نعم، فطه حسين لم يهتم بالمعري إلا لأن ” الإفرنج قد عنوا بالرجل عناية تامة” – القول لطه حسين- وترجموا له، واكثروا من القول في نبوغه وفلسفته، ولا ينظر إليه إلا عبر منظار الآخر الذى هو ” المنهج التاريخي”

فالغرب صار (مركزا) يحدد موضوع البحث، ثم المنهج وما يتصل به من مفاهيم واجراءات ومصطلحات، وبهذا يكون ” الإنسان العربي الحديث والمعاصر قد فقد القدرة على تسمية الأشياء”

واشارة بسيطة وعابرة إلى المشاريع العربية، توضح أن السؤال حول المنهج والمرجعية دخل في عداد المسكوت عنه أو (اللا مفكر فيه)، مما حدا ببعض المفكرين العرب إلى القول: ” يكاد يذهب بنا القول إلى التأكيد، انه لم تعرف الثقافة العربية الحديثة، منهجا نقديا، اكتسب شرعيته المنهجية إلا وقد كان تأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالموجهات والإجراءات التي اتصفت بها المركزية الغربية في حقل البحث الأدبي ونقده، بل في جل الحقول المعرفية.

وبعد أن يعرض المؤلف لآراءه، حول إستلهامات كل من حسن حنفي ومحمد برادة ومحمد مندور والجابري كأمثلة، يكتب:

وهل يكفي أن نقول إن معظم النقاد العرب الذين يعمدون إلى اختيار مناهجهم وأدواتهم التحليلية من مستودع المناهج الأجنبية، لم يتمثلوا هذه المناهج تمثلا نقديا، ولم يراعوا خصوصية المعطيات التي يدرسونها..فالإستلهام و (التمثل)، و(الإستعانة)، والإستيحاء) وغيرها، كلمات تعمل عمل السحر، لتبرر النقل السهل،  والعجز عن الأبداع.

بعد كل هذا التماهي في ثقافة (الآخر)، والتطابق معها، سواء على مستوى الرؤية أم المنهج، بل حتى في الموقف من الذات، لا نستغرب الآراء الطالعة علينا كل حين ومرة بوعائية المنهج واجرائية المفهوم، بل حتى كونيته، فالبنيوية ليست (فلسفة، لكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود ” كمال ابوديب – جدلية الخفاء والتجلي).

وكأننا نحقق نبوءة الرسول الكريم ص:” لتتبعن سنن من كان قبلكم…” هذا لا يعني أن الرسول ص يؤسس للجيتو، إنما المسألة لا تخرج عن التحرر من (إمبريالية المقولات)، ومن حالة السيولة التي كان يتعامل أو يدرك بها الفكر العربي الحضارة الغربية، فالذين يصرون على استيراد الميزان (الكليات أو المطلقات أو الغائيات)، يصرون في واقع الأمر على استيراد اختيارات الآخرين ورؤيتهم.

يقول في المرجعية بعد ذلك:

يثير الكلام حول المرجعية كثيرا من الأسئلة الشائكة، التي تحتاج لعقل جبار، ليتسنى له تجريد المرجعية الكامنة خلف كل الإبداعات الحضارية، أو تجريد ( النموذج المعرفي) الكامن، على حد تعبير عبدالوهاب المسيري، والحفر يجب أن يأخذ بعين الإعتبار بدايات التشكل، فلا يمكن مثلا فهم النهضة الغربية بمعزل عن التراث الإغريقي والروماني، فكل ما حدث أن إنسانيي النهضة ( ازاحوا جانبا آباء الكنيسة وأرسطو ورجال اللاهوت في العصور الوسطى، واحلوا محلهم مجموعة من الكتابات التي حفظها لهم التاربخ عن الإغريق والرومان ” كرين برينتون- تشكيل العقل الحديث” )

وعن مركزية التاريخ في تشكيل المرجعية:

المرجعية تتشكل داخل التاريخ، وهي اشبه ما تكون بكرة ثلج تحمل نواتها داخلها، وتتدحرج من قمة الجبل، فتضاف إليها عبر مسيرتها عناصر تساهم من جهتها في إثرائها واغنائها، وتحاول هي – المرجعية أو النواه- من جهتها تذويب وهضم هذه العناصر.

 وهنا مسألة مهمة تحتاج توضيح، فالقول أن المرجعية تشكيل تاريخي أمر نسبي يرتبط بالحضارات التي لم تعرف الرسالات السماوية، أو التي عرفتها لكن وقع التحريف فيها كاليهودية مثلا، فهذا الحكم لا ينطبق انطباقا تاما على الحضارة الإسلامية، لأن نواة مرجعيتها هو القرآن الكريم الذى تكفل الله سبحانه بحفظه، فهذا القرآن هو المهيمن على كل الثقافات قديمها وحديثها، وعبره تتم مراجعة ابداعات كل البشرية، وقد قام فعلا القرآن بمراجعة وتقويم تراث الأنبياء الذى حرفه اتباعهم، هذا التوضيح ضروري، خصوصا في وقت صار فيه المتبني لبعض آليات القراءة الغربية، بدعوى عالميتها، لا يميز بين النص التاريخي و “النص” القرآني.

والمثال الذى يمكن تقديمه هنا هو عنصر العلم، فرغم ما يقوله الغرب من أن ( الفلسفة والعلم كما نعرفهما اختراعان يونانيان)، وأن (حضارة الغرب التي انبثقت من مصادر يونانية، مبنية على تراث فلسفي وعلمي بدأ في ملطية Miletus  منذ 2500 عام)، فإن عبدالحميد يويو يقدم ورقة يطرح فيها سؤالا هو:  (إلى أي حد يمكن اعتبار اليونان مهد العلم ومسقط الروح العلمية في البحث والدراسة للعالم الخارجي  الكون والمادة).

فمما لا شك فيه أن الغرب إلتقط هذا المفهوم من الحضارة الإسلامية، وجرده من حوافه ليدخله إلى نسقه حتى يتلائم وروحه التدميرية.

بناء على ما سبق نفهم بعض المحاولات التي تروم رصد إرهاصات مجموعة من الأفكار الحديثة داخل أثينا، كمفهوم العلمانية ومفهوم الصراع، أو كما يسميه المسيري بالإبادة، هذا المفهوم الذى كانت من بين اصوله مجموعة من الأساطير المؤسسة لنزعة الغلبة والسيطرة كأسطورة برومثيوس، وبعض التأملات الفلسفية لكبار الفلاسفة كهرقليطس الذى يقول: ” لقد كان هوميروس على خطأ حين قال: ليت الصراع يختفي بين الآلهة والناس! إذ أنه لم يدرك انه كان يدعو بذلك لدمار العالم، فلو استجيب لدعائه هذا، لفنيت الأشياء جميعا”.

ونفهم كذلك عودة بعض الفلاسفة، بل جل الفلاسفة الغربيين إلى (المركز) أثينا، حين محاولة تحطيم أو تفكيك بعض الثوابت، كثابت العقل (اللوغوس)، والمنطق، والحضور مع دريدا، وتمجيد القوة والحياة عند نيتشه، لأن اليونانيين ( لم يكونوا عقلانيين بل كانوا مشحونين بإرادة الحياة ” رونالد سترومبرج”)، وان نيتشه وذويه (جزء من هذا الكون، وهو اعمى والصراع فيه مستمر ودائم).

هذه الإستمرارية التي تحاول بعض الدراسات تفاديها بإسم ( القطيعة المعرفية)، أو التركيز على لحظة معينة خصوصا القرون الثلاثة الأخيرة، هي القادرة على فك شفرات مجموعة من الأفكار.

فإذا سلمنا بأن الصراع بين الكنيسة وكل ما يدخل في نطاقها كالدين والفكر اللاهوتي والرموز، وبين الفكر” الحر” العلماني قد حسم لصالح الفكر العلماني، فلا يمكن فهم مجموعة من القضايا، واهمها هنا قضية ( نهاية التاريخ) كمثال فقط، فنهاية التاريخ أو إشكالية ( موت التاريخ)، هي إشكالية كامنة في الحضارة المادية الغربية كما يؤكد المسيري.

يستمر الحديث إلى مكونات المرجعية الغربية:

يرى مجموعة من الدارسين  أن المرجعية التاريخية للفكر الفلسفي والديني الغربي هي نتاج ثلاث مكونات هي:

  1. الفلسفة اليونانية
  2. التراث الروماني
  3. المسيحية

وهذه المكونات التي يقدمها عرفان عبدالحميد لا تخرج عما قدمه الإستشراق أو (المركز)، فالعقل الأوروبي كما شخصه بول فيري، الذى استعان به طه حسين في بحثه عن اصول (العقل) الإسلامي، يرد هذا العقل إلى عناصر ثلاثة (حضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن، وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه، والمسيحية وما فيها من دعوة إلى الخير وحث على الإحسان).

ولكن هناك أصول اغفلها الغرب في تحقيبه للعقل الإنساني، وذلك عن قصد، وهنا لا نقصد الأصول البعيدة كمصر وبابل، ولكن الأصل الإسلامي من جهة، والتراث اليهودي من جهة أخرى، وإن كان الأصل الاول  لم يستطع الغرب إستيعابه، وإنما (إلتقط)، وهي كلمة مقصودة، بعض مساهماته كالمنهج العلمي، وبعض مفاهيمه كمفهوم العمل، يبقى هناك مكون أو مصدر آخر يذكره الباحث المصري حسن حنفي وهو : البيئة الأوروبية نفسها، وهي تتضمن الديانات الوثنية التي عاشت فيها أوروبا قبل إنتشار المسيحية، والأساطير والأعراف وامزجة الشعوب وبيئتها الجغرافية، فديانات القبائل كما يؤكد حسن حنفي كانت أقرب إلى ” أساطير الغزو والحرب، بعيدا عن المبدئ الأخلاقية”

والأمر المراد هنا هو حضور هذه الأساطير والديانات الشعبية في الوعي الأوروبي حتى بعد إنتشار المسيحية، فلقد تم تأسيس مجموعة من العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر، وقبل ذلك على أساطير معينة، وتم بناء المشروع الحداثي الغربي على أسطورة برومثيوس وفاوست، أما ازمجة الشعوب وبيئتها الجغرافية، فهي ضرورية ايضا لفهم مجموعة من الأفكار، إذ لا يمكن الفصل بين الفلسفة الألمانية والطبيعة الالمانية ومزاج الشعب الألماني: حب الطبيعة، النظام، الإحساس بالواجب، العمل. كما لا يمكن الفصل بين الفكر الأنجلوساكسوني وطبيعة الشعب في الجزر البريطانية: الحس، التجربة، العادات والتقاليد كبديل عن القوانين.

ثم يتطرق إلى ثوابت المرجعية الغربية الحديثة:

يقول عرفان عبدالحميد فتاح، إن أول ما يلاحظ على الفكر الغربي انه ( فكر اقام بنيانه واسسه على قانون مطرد في تاريخه، لا خلف فيه، هو قانون الصراع بين الأقطاب المتضادة)، فعبر هذا القانون يغدو وجود قطب معين يقتضي نفي مقابله نفي إلغاء، فإما الإنسان وإما الله، وإما الطبيعة وإما الإنسان، في الأول يحل الله في الإنسان، أو يصل الإنسان إلى الله فينفيه، فيتمركز العالم حوله، حول الذات الديكارتيه العارفة، أو الذات البرومثيوسية المنتصرة، فيعلن الإنسان أنه “سيد الكون ومركزه وانه موضع الحلول، ولهذا فهو مرجعية ذاته”، فيسعى للحصول على كل شيء بدون إله او نظرية نرفانا ( الفناء في المطلق). وفي الثاني يحل الإنسان في الطبيعة، بعد ان كان كل منهما مغيبا في الرؤية المسيحية، أو يتم تطبيع الإنسان، فيخضع للقانون الطبيعي، ويبدا الجوهر الإنساني – الثابت في الإنسان- في الغياب تدريجيا، ويحل الطبيعي محل الإنسان. فالشكل الأول من الحلول اسسته مجموعة من الأساطير في التراث اليوناني والتراث الشرقي القديم، الذى احتضنته اوروبا مع اليهودية المحرفة ونموذجه اسطورة بابل، ولكنه أخذ ملامحه الحقيقية مع ظهور مؤسسة (كهنوتية) هي مؤسسة العلم في العصور الحديثة، وكانت اهم تجليات الصراع ومظاهره هي ظاهرة الثنائية على المستوى الفلسفي: تجريبي/ عقلي، مثالي/ واقعي، وعلى المستوى الأدبي: رومانسي/ واقعي، تفكيكي/ بنيوي، وعلى المستوى المنهجي: موضوعي/ذاتي.

ناتي إلى الثابت الثاني وهو (مؤسسة العلم)، يؤكد الباحث (إدوارد جرانت)، أن “العلوم الرياضية وعلم الفلك والبصريات والطب، كانت حتى عام 1500 م تقريبا، أكثر تطورا في العالم الإسلامي مما كانت عليه في الغرب”، لكنه يستدرك ليقول أن العلم لم يمأسس في العالم الإسلامي، أي لم يصبح العلم مؤسسة ذات قواعد راسخة فيه”.

وجواب جرانت حول لماذا لم يتحقق العلم، كما نعرفه اليوم إلا في المجتمع الغربي، هو وقوع بعض الأحداث الأساسية في أوروبا الغربية بين عامي 1175م  و 1500م، هذه الحداث يجمعها في ثلاث شروط يراها أساسية وحاسمة، وهي:

  1. ترجمة علوم الإغريق إلى اللغة الاتينية، ومن دون هذا الشرط ربما لم يكن بالإمكان تحقق الشرطين الآخرين.
  2. تكوين جامعات القرون الوسطى، بعد اكتمال معظم الترجمات، بداية من عام 1200م، في كل من باريس واكسفورد وبولونيا، وكانت تختلف عن أي شي سبق أن عرفه العالم من قبل.
  3. ظهور طبقة فلاسفة اللاهوت، وتتمثل مساهمتهم في موافقتهم على إدخال فلسفة الطبيعة، واستخدامها في مناهج الجامعات الجديدة.

هذه الشروط مع أسباب اخرى، سمحت بتاسيس ( مؤسسة العلم)، التي ستدخل في صراع مرير مع مؤسسة الكنيسة، وسيحسم الصراع غالبا لصالح العلم، الذى سيتحول إلى (دوغما) في مشارف القرن التاسع عشر، مع الفلسفة الوضعية.

هذين الثابتين، ثابت الصراع وثابت (مؤسسة العلم) من المهم الوقوف عليهما، لانهما المؤطران لكثير من القضايا والإشكالات، فمؤسسة العلم تحدد العلمي والموضوعي وما دون ذلك، وتحدد كذلك المفَكَر والممكن التفكير فيه، والصراع يمنع التأليف بين الثنائيات: عقل/ حس، خالق/مخلوق، طبيعة/انسان، بالإنتصار لحدهما وإقصاء الطرف الآخر.

يختتم حديثه حول المرجعية الغربية الحديثة، فيقول:

الكلام حول المرجعية يحيل مباشرة إلى صيغة المفرد، لأننا نزعم أن كل الثقافات الإنسانية ( تشتمل على نظام معرفي معين خاص بها، قد لا يدركها أبناؤها حتى العلماء منهم، لأنه نظام كامن يدخل في مكونات الوعي الجمعي للجماعة البشرية )، يقول محمد أمزيان: “هو مجموع الخلفيات والتصورات والمفاهيم الفلسفية، التي يصدر عنها الباحث في حقل ما، ومجموع الآليات المعرفية التي تشكل سلطته المرجعية، وتحدد جهازه المفاهيمي”، ثم يضيف: ” فالمنهج حسب السياق يعني (العقل) الذى تشكل وتكون عبر سيرورة تاريخية، حتى اصبح مع الزمن (سلطة) يفرض نفسه في كل مجال من مجالات المعرفة.

هذا تقريبا قريب مما يقوله المسيري عن ” النموذج المعرفي الغربي المادي”، حيث يتحدث عن اهم تحيزات هذا النموذج، والفارق ان امزيان يقصرها على مجال تخصصه (علم الإجتماع)، في حين أن الثاني يرى أن التحيز لهذه الأسس وغيرها، يحيز عام يكمن خلف كل العلوم ومناهجها، ف ” المنهج” أو  ” العقل” الذى تكون عبر سيرورة تاريخية، أو النموذج المعرفي، هي تسميات لمفهوم واحد، وهي تشير إلى ذلك المركب أو الكل الذى يشتمل على:

  1. تحديد مصادر معينة للمعرفة
  2. يقيم العلاقة بينها
  3. يحدد تدرجها وهرميتها
  4. يبين طرائق ومناهج الوصل إليها، ويضع ضوابط التعامل معها، وفهمها وتحليلها وطرق نقدها ومعايير هذا النقد.
  5. يحدد أسس مشروعيتها، ومبررات الإعتماد عليها، والإعتقاد فيها أنها معرفة حقيقية، والرضا بنتائجها واستخدامها وتوظيفها.

فالمصادر تضعنا امام ثنائية العقل والحس ومن الكفيل بالمعرفة، والوحي الذى أقصي من مجال المعرفة، ومحاولة الدمج بينه وبين الكون عبر ما يسمى ب(القراءتين) من جهة اخرى؟. والعلاقات بين هذه المصادر، تفتحنا على تاريخ صراعي بين العقل ومقولاته القبلية أو معارفه الفطرية أو صفحته البيضاء، وبين الحس والتدحرج بينهما في الفكر الغربي خاصة. أما طرائق ومناهج الوصول إلى المعرفة (الحقيقية) فكانت تحسم غالبا لصالح المنهج التجريبي، على حساب طرائق اخرى، عمل السياق التاريخي والمسير الحضاري على إقصائها.

يبقى سؤال من يحدد مشروعية المعرفة، وإمكانيتها اهو العقل الذى يشهد لها؟ ام الله هو الذى منحها وهيا اسبابها ليقوم الإنسان بتسخيرها بعد تحصيلها، فتغدو هبه ربانية، وليس بروموثيوس هو الذى سرقها من الآلهة ليعطيها الإنسان، ليتمرد بها على خالقه و (يسيطر) بها على الآخر و (يغزو) بها الكون؟ ثم من الضامن انها معرفة (حقيقية) اهو الله أم الذات الديكارتية؟

ينتقل بعد ذلك إلى المنهج بين اللغة والمفهوم

مفردة المنهج حين تطلق في التداول الحديث يراد بها معان كثيرة:

  1. فهي قد تعني ( فلسفة) معينة كامنة، تضبط الافكار وتنظمها، فالمنهج بهذا المعنى هو القانون الفلسفي او المبادئ الفلسفية الناظمة، بتحديد واضح للأفكار ومصادرها ومناهجها.

  2. وقد تعني (العقل) الذى تشكل وتكون عبر صيرورة تاريخية، حتى اصبح مع الزمن (سلطة)، يفرض نفسه في كل مجال من مجالات المعرفة.

  3. كما قد تعني مجرد (الطريقة) أو (الخطة)، التي غالبا ما يغيب فيها الحديث عن البعد المعرفي رغم حضوره.

  4. وقد تطلق مفرده المنهج أو المنهاج ويقصد بها (الباب) الذى يتألف منه مؤلف ما.

ويقول عن المنهج في الدراسات الحديثة:

يميز العروي تمييزا واضحا بين ثلاثة مفاهيم، هي المنهج والمنهجية والأبستيمولوجيا، ويعرف المنهج بقوله: ” الطريقة التي تتبع لعرض موضوع من المواضيع”، وتحديد العروي مقصود لما سيُؤسس عليه من حكم، فهو يقول إنه يمكن ” ان تُرفض التاريخانية أو البنيوية كفلسفة، وتوظف كمنهج للتحليل في حدود معينة”، واعتبار المنهج مجرد خطة يثير كثيرا من الإضطراب، فكلمة عرض المنتقاة بحرص من قبل العروي، لو رجعنا إلى المعجم الفرنسي لوجدنا الأمر يختلف، فحين يعرف ((Methode يستعمل (يكشف) و ( يبرهن)، وكذلك بدل (موضوع معين) يستعمل (الحقيقة) في مجال العلوم، هذه الحقيقة اكتشفها وبرهن عليها ( العقل) أو ( الذهن)، الذى لا نجد له حضورا في تحديد العروي.

ونخلص إلى أن المنهج ((Methode يعني: مجموعة من (الخطوات) التي يتبعها (العقل) او الذهن، ليكتشف (الحقيقة) ويبرهن عليها.

ويكون المنهج إما صريحا او ضمنيا، في حقل الفلسفة خاصة، فالاول حين يُستخدم إستخداما عمليا، أما الثاني حين يتم تقنينه وتبريره كما فعل ديكارت في (خطاب المنهج)، ويكون المنهج واحدا بشكل عام في حقل العلوم الدقيقة، فهو المنهج الإستنباطي في العلوم الرياضية، وهو الإستقراء في العلوم الطبيعية، اما المنهج في العلوم الإنسانية والإجتماعية، فيطرح كثيرا من الأسئلة.

يميز (بياجي) حسب ما يقدم لنا محمد وقيدي بصدد العلوم جميعا بين أربعة مجالات هي:

  1. المجال المادي لكل علم: مجموع الموضوعات التي يتعلق بها هذا العلم
  2. المجال المفهومي: مجموع النظريات والمعارف التي تم تأسيسها وتنسيقها من طرف كل علم
  3. الأبستمولوجيا الخاصة بكل علم
  4. الأبستمولوجيا العامة

كثيرا ما يقع الخلط بين علم او حقل معرفي معين ومنهج ما، فيحشر العلم مع مناهج يمكن ان يكون احدها منهج هذا العلم، فنحن نعلم أن (الإتجاه النفساني) و (الإتجاه اللغوي أو السيميولوجي) و (الإتجاه السيميوطيقي)، كلها إتجاهات ترتبط (برؤية تتخطى ظاهر النص، لتبرز فيه بينه صورية)، بمعى أن البنيوية المعتمدة في هذه (الإتجاهات)، تحاول كما يؤكد عبدالرزاق الدواي، ان تثبت أنه “يوجد خلف كلامنا الذى نعتقد أنه حر وتلقائي، وخلف خطاب الأساطير، وخلف الأعراف والعادات والمؤسسات وأشكال الثقافة، نوع من (النظام الخفي) يعمل في المستوى العميق كبنية يتحتم الكشف عنها، من اجل فهم وتعقل تلك الظواهر.

ثم هناك أمر آخر يتعلق بالبنيوية التكوينية، واعتبارها شيئا آخر غير الماركسية، ويجب التاكيد على (الناظم المعرفي) الذى يعطي كل فكر تماسكه، حتى لا يتحول إلى مجرد خطرات تأملية.

هناك فكرة مسلمة، في الفكر الفلسفي خاصة، تقول: لا تعتبر أي فلسفة متماسكة أو فلسفة حقة، إذا لم يتوفر لها شرط القدرة على تفسير كل الظواهر دون الوقوع في التناقض، فهي ينبغي لها أن تشكل نسقا قادرا على إعطاء الأسس المعرفية لكل (علم) مؤسس أو في طور التأسيس، والماركسية لا تشذ عن هذا الإعتبار، فماركس وإنجلز مثلا (يمدان العلوم الإنسانية بأسس معرفية قوية، رغم انهما لم يشيرا إلى إنشائهما لهذه العلوم)

بناء على ما سبق فالبنيوية التكوينية التي تدرس الأدب وبناء الرواية الحديثة، التي نشات في القرن التاسع عشر، وتوافقها او تماثلها وبناء المجتمع الليبرالي، تستند إلى المبادئ او الاسس الأساسية في الماركسية، والجديد فيها هو حقل الإشتغال الذى هو الأدب

ينتقل بعد ذلك متسائلًا عن المرجعية والمنهج أيه علاقة؟

تشتمل كل الثقافات الإنسانية على نظام معرفي معين خاص بها، قد لا يدركه أبناؤها، حتى العلماء منهم، لأنه نظام كامن يدخل في مكونات الوعي الجمعي للجماعة البشرية، وهذا يعني ان كل ثقافة بمعناها الشامل، الذى يحتوي كل ما ينتجه الإنسان أو كل ما يخرجه من دائرة الطبيعة البكر، ليدخله إلى نسقه الثقافي، يكمن خلفها نموذج:

  1. يحدد مصادر معينة للمعرفة: فيثبت مصادر ويغيب او يقصي أخرى، فيؤسس ثابته الذى يؤول إليه في تحريره للمعرفة وتحصيلها، هذا الثابت يتراوح في الفكر الغربي بين الحس والعقل بقبلياته الكانطية أو أفكاره الفطرية، وعبر هذا الثابت تتم قراءة كل ظاهرة إنسانية وترد إليه ولا يمكن تفسيرها خارجه.
  2. يقيم علاقات معينة بين هذه العناصر، فتكون الغلبة لمصدر دون الآخر، فيسود وتحال إليه كل المعرفة
  3. يحدد طرائق نقد هذه المصادر والمعرفة المتولدة عنها (المجال الأبستمولوجي)
  4. يضع المناهج التي توصل إلى هذه المعرفة ويحددها، فيقصي كل المحاولات التي تروم اعتبار ذاتها (منهجا) للمعرفة، فتظل هذه المحاولات تتقرب من الثابت علها تحصل على رضاه.

هذا النموذج الكامن هو ما نجده حاضرا بشكل او آخر في مجموعة من الدراسات، فالمسيري عمل جاهدا ليجرد هذا النموذج، فيقرأ مختلف المنتجات الحضارية الغربية، من مسرح، رواية، موسيقى، عمران، لباس، فلسفة، علوم إنسانية، منتجات تكنولوجيا، سلوكات معينة، مصطلحات وغيرها، ليضع يده على الناظم المعرفي، والباحث السوداني أبو القاسم حاج حمد يشتبك مع الحضارة العربية ازيد من عشرين سنة، ليكتشف هذا النموذج في (لاهوت الأرض)

ونمثل هنا بمثال، في حقل العلوم الطبيعية، والسؤال هنا لماذا لم يتأسس الإستقراء في اليونان، وظل أمدا طويلا ينتظر الحضارة الإسلامية؟.   

يعرض أحمد فؤاد باشا التصور النظري العام، الذى يكون نموذجه العلمي الذى يقاس عليه تقييم العلم عموما، ويقدم فيه مثالا عمليا وهو (نظرية الضوء) ليطبق عليها تصوره النظري، بحسبه، إن النظريات التي يقدمها كل من أفلاطون وأرسطو وأبيقور حول الضوء، سواء في طبيعته أم تفسير هؤلاء لعملية الإبصار، تتعدد بشكل لا يمكن نفي إحداها وإثبات الأخرى، لن المنهج المعتمد كان (عقليا تأمليا فقط أو قياسا صوريا بحتا)، وقد ظل كل فريق يعتقد أن ما يقوله عقله ويتصوره ذهنه هو الأصوب، وظلت هذه النظريات تنتظر مرحلة الحضارة الإسلامية التي ستعرف ميلاد المنهج الإستقرائي، لأن القياس الصوري يوصف بانه منهج عقيم واجدب، لأنه لا يسمح بتقديم العلم خطوة واحدة، مهما تراكمت وتكدست المعارف المستنتجه على أساسه، لكن مع الحسن بن الهيثم تم وضع حد للخلافات القديمة حول تعريف الضوء وتفسير عملية الإبصار.

ويبقى السؤال ملحا، لماذا لم يتأسس الإستقراء في اليونان؟

ألا يرجع هذا إلى (المرجعية) التي حالت دون حصول المعرفة العلمية التجريبية، فعزفت عن العمل اليدوي، والتجربة في المختبر الان ليست أكثر من عمل يدوي، واعتبرته مهنة العبيد والنساء، وقدست التامل واعتبرت (العلم النظري) الذى غايته المعرفة فحسب تشبها بالآلهة، هو العلم الحق، ولم تربط بين العلم والعمل كما فعلت الحضارة الإسلامية؟

قول أحمد فؤاد باشا إن الحسن بن الهيثم : “انطلق من مبدا عام هو القول بوجود العالم الخارجي وجودا مستقلا في ذاته، خارج الذهن وخارج النفس، وان العقل والحواس ادوات إدراكه”، ألا يحيل إلى مبدا التوحيد وثنائية الخالق والمخلوق في التصور الإسلامي، عوض وحدة الوجود الروحية أو المادية، التي لا تعين حدودا للثلاثي: الله، والإنسان، والطبيعة؟

ألا يفتح هذا القول كذلك على تاريخية المعرفة ونسبيتها، المعرفة التي يحصلها الإنسان بجهدد وحسب وحسب استعداداته الفطرية، والمعرفة المطلقة المجردة التي يسرقها برومثيوس من الآلهة ليمنحها الإنسان فيتجبر ويتكبر في الأرض بغير حق؟

نطرح هذه الأسئلة لأننا في امس الحاجة إلى السؤال بعد أن لم تعد الذات التي كانت تستحضر بإعتبارها كيانا مستقلا في مواجهة الآخر عذراء، فكيف نترك سؤال العلاقة من أزيد من قرن، وقبل ذلك كيف يسوغ الباحث العربي لنفسه النقل السهل أو الرد السهل، وسلم بإجرائية المفهوم، ووعائية أو اداتية (المنهج)، وهو لم يحدده أصلا- بعض الدراسات العربية لا يستغرق منها الكلام حول المنهج المتبنى إلا صفحات معدودة، وفي احيان أخرى لا تضبط دلالة المنهج ويتم القفز للحديث عن الإجراء- وكيف رفض هذه الوعائية أو الأداتية؟

يتم الحديث في الغرب عن (المفهوم الرحالة)، الذى ينتقل من حقل معرفي لآخر، داخل النسق المعرفي الغربي الواحد، ولكن بكل حذر وحيطة، لأن الباحث هناك واعي بأن المفهوم له تاريخ، وبأنه يتعدد، تبعا لتعدد حقول المعرفة، وتبعا للأثر التاريخي الذى يتطور في ضوءه ذلك الحقل، وياتي الباحث العربي ليقول ب(المفهوم الرحالة) وب(الإستعارة) و(التبييئ)، و(كونية المفهوم)، و(اجرائيته)، دون أن يبذل جهدا في تفكيك هذا الأمر.

أكان القرآن يرفض من المؤمنين، و(يحرم) عليهم (راعنا)، لأن اليهود كانوا يقولونها فقط على وجه الإستهزاء والمسبة، أم ان (راعنا) لها تاريخ وايحاءات وظلال، وعبرها يتم التواصل مع تراث معين.

في الواقع، لا منهج مجرد من مقولاته ونماذجه، ولأن المنهج يتشكل في أحشاء النماذج التي يعالجها، و(يكتسي) باللحم من خلال الموضوعات التي (يولدها)، والباحث يدخل موضوعه وهو يحمل ايضا مجموعة كبيرة من القضايا والأفكار، حول الدين والتاريخ والمجتمع والآخر واللغة.

لهذا يحذر منير شفيق من الدخول في نقاش حول مبادئ المنهج وتقنياته من جهة، بمعزل عما قدم هذا المنهج من نماذج وأفرز من موضوعات من جهة أخرى، حتى لا يخرج من يدعي انه يعمل بهذه التقنيات في هذا المجال وبتقنيات أخرى في مجال آخر، ويوحد ويدمج التقنيات في مجال ثالث مشكلا منهجا متكاملا، وللأمر ذات يذَكِر أبو القاسم حاج محمد الباحث احمد حيدر بأن النزعة الإنسانية التي يحاول تطعيم الماركسية بها هي: ” نزعة خارجية ذاتية”، لأن “تجريد الماركسية من جبريتها…هو أمر غير ماركسي”، لأن لكل فكر (منهجه الضابط  والمنظم)، فإذا كان المنهج ماديا فهو ينتج افكارا لا تكون إلا مادية.

 

سلافوي جيجك: الناس تشتري الكتب ولكن لا أحد يقرأها

zizek460

سلافوي جيجك، فيلسوف اشتراكي من سلوفانيا، ولديه العديد من الإسهامات في الفلسفة الغربية الحديثة.

يقول (جيجك): “الناس تشتري الكتب، ولا أحد يقرأها”. ننشر هنا لقاءً صحفيًا معه، أجرته صحيفة (الفلسفة اليوم)، نترجمه بشكل حصري لدى ساقية.

يبتدئ الحوار بأن يسأل المحاور:

إذن بروفسور جيجك …

لا تناديني بروفسور إذا كنت لا تريدني أن اقتلك لأني اشعر بالإنزعاج عندما ينادوني بكلمة “بروفسور”، ويقولون: أين هو البروفسور؟ لدي مشكلة مع إستخدام الألقاب الرسمية، وهلم جراً. وعندما يناديني أحدهم بروفسور أستقبلها كنوعٍ من السخرية، ولستُ فخوراً بها…

الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها؛ أنت لست مجرد فيلسوف ولكن على غير المعتاد فيلسوف شهير؟ هل الشهرة ضرورة؟

في البداية، مفهوم الشهرة نسبي، وكما تعلم لدي العديد من الأعداء؛ يعتقد بعضهم أني مجرد مهرج، و يعتقد البعض الآخر أنَّ خلف طبيعتي المسلية داعي للفاشية أو شخص ذا أبعاد ستالينية، وهلم جراً.

إذن؛ ما يسمى شهرة هو مجرد وسيلة لإبقائي بعيداً عن التعمق بجدية في الاعمال التي أقدمها، وأنا فخور حقاً بكتابي “أقل من لا شيء”، الكتاب المجنون والذي يتساوى في عدد صفحاته مع “الإنجيل المقدس”، وهو كتاب معروف وقد بيع منه نسخاً كثيرة جداً، فكل ذلك يعطيني الأمل بأن لا نقلل من شأن عامة الناس .

مؤخراً، تعرضت للضغوط من مؤسسات لنشر الكتب لأجل أن اقوم بتأليف كتاب مسلي من فئة الأكثر مبيعاً عن دونالد ترامب، ولكن لماذا ينبغي علي تأليف ذلك؟ لا أعتقد أن ترامب مثيراً للإهتمام بل هو أحمقٌ مُمل.

هل أنت قلق حول كتبك تصبح زينة فوق طاولات القهوة؟ أنت تعلم، الناس يشترونها ولكن في الواقع لا يقرؤونها؟

بالطبع أنا قلق، ولكن ليست الكتب التي توضع فوق طاولات القهوة وحدها لا تقرأ، خذ معها كتب الأكثر مبيعاً، والكتب الكلاسيكية أيضاً، الناس تشتريها ولكن لا أحد يقرأها.

و على سبيل المثال انظر كتاب جون رولز بعنوان “نظرية العدالة”؛ اعرف شخصياً مؤلفين من نيويورك قاموا بتألف كُتباً عن “نظرية العدالة”، و اعترفوا لي على انفراد وفي لقاءات خاصة أنهم لم يقرؤوه، و لا اختلف معهم لأن أسلوب جون رولز في الكتابة يمكن اختصاره داخل  50 صفحة ولن تفقد من مضمونه شيئاً.

وكل ذلك يقودني لبعض الشكوك المشابهة حول هيجل و مؤلفاته عن “المنطق”، فأنا اشك أن الناس قرؤوها، ولسببٍ ما أعتقد أنه لا يهم حتى وإن لم يقرؤوها.

ويوجد كتاب رائع لمؤلف فرنسي إسمه بيير بايارد، بعنوان “كيف تتحدث عن كتب لم تقرأها؟”، المؤلف يأخذ موضوع عدم قراءة الكتب بجدية وبالجدية الفرنسية الصارمة، وليس بأسلوب هزلي ساخر، فيقول: إنَ أفضل الكتب التي تناقش مؤلفين آخرين تم تأليفها من أناس لم يقرأوهم بشكلٍ كاملٍ، ويضيف أيضاً: عندما تتحدث عن كتاب لم تقرأه يجب أن تقوم بالتركيز على جزئية واحدة، ثم تترك هذه الجزئية الوحيدة تصبغ إنطباعك الكُلي حول الكتاب.

وهو بالطبع صادق، لأن تلك هي الكيفية الوحيدة لتقديم شيء جديد، وذلك عبر المفارقة الفلسفية التي تقول: لا تحتاج لتقرأهُ كلهُ إن كنت تعرف الكثير منه و إلا ستشوش القراءة أفكارك التي تعرفها.

ولكن الناس يشترون كتبك ولا يقرأونها، فهل بالرغم من ذلك تعتبرها علامة جيدة على إهتمامهم بالفلسفة؟

نعم، أمنيتي السرية أنَّ هناك فئات متعددة من القراء ومنهم القراء الذين لا يبحثون داخل كتبي عن النكت فقط.

فبعد السلسلة الفلسفية من الكتب التي ألفتها مؤخراً، والأكثر فلسفية، كتاب بعنوان: “الإرتداد المطلق” والذي إن كنت تسألني تحت تهديد خطر الموت – وآسف لقول هذا – هو أفضل كتاب من بين الكتب التي ألفتها على الإطلاق، لأن بسببه استقبلت رسائل كراهية عبر الإيميل، ومنها رسائل تشكوى: “أين النكت؟”.

بعيداً عن النكت البذيئة التي اقولها؛ يتهمني البعض أني مجرد فيلسوف تقليدي جداً! وهم صادقين بعض الشيء لأني استخدم فلسفة جاك لاكان كأداة صارمة لإعادة تأويل فلسفة هيجل.

وأكبر حدث في تاريخ الفلسفة هو الانتقال من كانط إلى هيجل.

مالذي يجب على الفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ أو مالذي يمكن للفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ وهل كان هيجل علامة فارقة ذا أهمية؟

قطعاً بالتأكيد. اليوم ربما ليس الوقت المناسب لتغيير العالم ولكن بدلاً عن ذلك يجب أن نخطو عودةً للخلف، ونتأمل. فكل ما نحتاجه اليوم هو الإنتقال من مادية ماركس إلى مادية هيجل لأنها أكثر حصافة ودقة.

هل تعرف من هو هيجل الذي يعجبني؟ هيجل الذي يقول في مقدمة كتابه: “إن بومة منيرفا لا تبدأ بالطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله”، و تعطي هذه المقولة البسيطة انطباعاً خاطئاً أن هيجل كان محافظاً في “فلسفة الحق”، و بطريقةٍ ما فهو يدعوا إلى الفاشية داخل المجتمع، لأنه كتب ما معناه أن أي نظام تاريخي محدد لا يمكن فهمه إلا بعد أن ينتهي وقته، فهل تعتقد أن هيجل مغفلاً ولا يعرف أن نفس الوصف من الممكن أن ينطبق على كتابه “فلسفة الحق”؟ هيجل لا يرسم نظاماً ويفرضه كشكل إجتماعي محدد، بل يرسم حالة اجتماعية تُشكل نفسها بعد أن تجاوزها الزمن بوعيٍ تام. وحالنا اليوم يشبه فلسفة هيجل تماماً وأكثر بكثير من فلسفة ماركس.

ماركس يؤمن وبقليل من الغائية أن الظرفية الاجتماعية تتطلب ثورة بروليتارية كضرورة حاسمة،  ومهمتها إصلاح البشرية جمعاء. لكن بالمقابل تُفهم الظرفية الاجتماعية عند هيجل على اعتبار انها نهج ما بعد الثورة. فخذ على سبيل المثال الثورة الفرنسية التي أخفقت، وتطورت بطريقةٍ ما لتصبح شيئاً بعيداً عن الصواب، ولكن هيجل قام بإعادة تأويلها.

الإشكالية العصية التي تطرحها أفكار هيجل هي أن لا تقول أن الثورة الفرنسية مجرد هراء، ولكن يجب عبر كيفية خاصة أن نحافظ عليها كإرث تاريخي بشري حي بغض النظر عن النتائج الكارثية التي آلت إليها الثورة. وأتصور أن وقتنا الحالي مشابه جداً لتلك المرحلة؛ فالقرن العشرين فشل في محاولات التحرر من الراديكالية السياسية.

ويجب أن نتخلى عن الإستعارات المجازية الماركسية مثل أننا اليوم نقود قطار التاريخ البشري. فالماركسيون يحبون أن يقولون حتى وإن كانت الأيام مظلمة؛ فبالإمكان رؤية النور آخر النفق. وأنا أقول بقليل من السخرية: ” نعم إنه نور قطار آخر يتجه نحونا”.

إذن هذا حالنا اليوم، وهيجل يعرفه، حالنا مكشوف؛ لا نستطيع عمل أي خُطط لتغيير العالم.

ولكن النور معنى مجازي، وقد يعني أي شيء، ولايعني بالضرورة قطاراً آخراً؟ هل من الممكن أن يكون النور هو نهاية النفق؟

نعم مجازي. و بسبب ذلك يجب علينا أن نتخلى عن الأوهام والآمال الزائفة.

حتى الجناح اليساري اليوم، في معظمه هو يسارية فوكويامية. فيعتقدون جوهرياً إن الليبرالية الديموقراطية وأجزاء من الرأسمالية هما اللاعبان الرئيسي والوحيد في العالم، و يحاولون أن يجعلون اليسار أفضل بمزيد من التضامن الاجتماعي والوحدة الاجتماعية و التآمين الصحي وزاج المثليين….الخ.

وجوابي على فوكوياما: حسناً لنقل أنك على صواب، وان الرأسمالية انتصرت، أليس من السخرية أن أغلب قادات الرأسمالية العالمية هم شيوعيون يمتلكون القوة. لذا يجب علينا أن نتفق في أن إدارة الأمور بطريقة القرن العشرين قد انتهت.

ألا تعتقد أن هذا يقودنا إلى إشكالية اصطلاحية؟ عندما تقول “الرأسمالية يقودها شيوعيون يمتلكون القوة”، مالذي تقصده بالرأسمالية؟ الرأسمالية لها صيغ وأشكال متعددة، والشيوعيون الذين يقودون الرأسمالية بالتأكيد ليسوا شيوعيين حتى إن ادعوا ذلك.

على أي مقدار أنا شيوعي؟ بقدرٍ محدود للغاية. و ألسنا كلنا شهود اليوم على تهكم عظيم؟ فما تبقى من اليسار عاجز عن تقديم نموذج عالمي بديل وملائم. واتذَكر عندما كنت جزء من الحركة الاجتماعية “احتلوا وول ستريت”، وكنت مع المعارضين في نيويورك أسأل الحشود أسئلة حمقاء مثل: “مالغاية التي تريدون الوصول إليها؟” وطبعاً لم يعطوني جواباً وحداً لأنهم أصلاً لايعرفون ماذا يريدون. فاليسار اليوم يتجه نحو الأخلاق الاجتماعية كأجوبة بسبب الإفراط في التركيز على مفاهيم مثل الصواب السياسي، وهلم جراً.

المشكلة هي أن المعارضين لا يعرفون ماذا يريدون وبلا هدف واضح من ناحية، ومن ناحية آخرى أليست كل العلامات التي من حولنا تدل على أن الرأسمالية التي نعرفها، تقترب من النهاية؟ انظر  إلى المشكلة الايكولوجية “البيئية”، من الواضح أن الرأسمالية عبر سن الأنطمة والضرائب لم تستطع تقديم حلولاً كافية. وانظر الى الرأسمالية الخيالية، وكيف يسوقون لها الناس. وعندك أيضاً مشكة المهاجرين، اذا سألتني، أعتقد أن الرأسمالية تنهار. وعند وقوع كوارث كبيرة نحتاج لحلول أكبر، يستطيع أن يحتويها.

و انظر الى مشكلة الجينات الحيوية والتي ستغير في كينونة الإنسان الحي؛ بالإمكان أن تتصل أدمغتنا مباشرةً بأجهزتنا الكمبيوترية. والنتيجة الحزينة الوحيدة، والتي كنتُ ولازلت أحذر منها هي نموذج الدولة المثالية؛ الدولة المفتوحة تماماً للسوق العالمي، ولكن في نفس الوقت مبنية على آيديولوجية التمركز العرقي، بالتركيز على ثقافتها الخاصة فقط، وهذا ما يقوم به ترامب، وجميع الحكام الدكتاتوريين، والصين، والهند، وحتى بوتين يلعب نفس هذه اللعبة. فالعالم يتجه نحو نهج دولي جدي عبر الانفتاح على السوق العالمي الحر، وبالمقابل،كقاعدة أساسية الإنغلاق على الذات وعدم قبول الآخر. وهذا شيئٌ محرنٌ جداً.

ونعود الآن لسؤلك: لماذا الشيوعية؟ أتصور جميع المشاكل التي سردتها هي في نهاية المطاف كما يصفها، كارل ماركس ب “العموميات”، والمقصود وجود بعض الأجزاء العامة والمشتركة بين الجميع، والتي لا يمكن خصخصتها وتركها للسوق. فالايكولوجيا “علم البيئة” جزء من حياتنا الطبيعية المشتركة، وإلى أي مقدار  يمكننا التلاعب فيه؟ وعندك أيضاً الملكية الفكرية هي من مشاكلنا العمومية، ومعها أيضاَ مشاكل الجينات الحيوية. وبهذا المعنى أضعها بشكل ساخر، وأقول : “اليوم الشيوعية ليست الحل، ولكنها إسم المشكلة”. لذا يجب علينا أن نجد حلاً بمستوى عمق مشاكلنا؛ أي نتعامل مع مشاكلنا العمومية خارج نطاق متطلبات علاقات السوق العالمي.

صديقي بيتر سلوتردايك، عبر كتابه بعنوان ” ماذا حدث في القرن العشرين؟” قدمَ نفس الإستنتاج، بانتهاء حقبة الدولة القومية التي تكون أسمى قيمها الأخلاقية العليا مبنية على ” هل أنت جاهر للتضحية لأجل وطنك؟”. فنحن بحاجة إلى نماذج فعاله للخروج من حدود الوطنية القُطرية كطريقة ناجعة لحل مشاكلنا مثل مشكلة الجينات الحيوية.

على الرغم من كوني ماركسي جيد إلا أنني لست ضد الرأسمالية بالمطلق، لأنها النظام الأكثر ديناميكية في تاريخ البشرية. وأيضاً أرفض قطعاً الإعتماد على المفاهيم القديمة التقليدية لمحاربة الرأسمالية العالمية، بل يجب أن نحاربها بمفاهيمنا الخاصة عبر رؤية عالمية جديدة. ونقطتي التي أود أن أقولها يجب علينا عبر ممارسة الرأسمالية أن نتجاوزها، ونتخطاها، ولا أقول أريد طوبائية “حياة مثالية” وأكثر، ولكن أقول من الواضح أن الرأسمالية تقترب من أزمة كبرى، والسبب عدم قدرتها مواجهة مشاكلنا العمومية مثل المشكلة الايكولوجية، وهلم جراً.

أنا هنا متشائم الى حدٍ ما، بمعنى أن الرأسمالية عاجزة عن حل مشاكلنا عبر مفاهيمها الخاصة. وأيضاً أجد خوف الناس من البطالة بسبب العولمة غير عقلاني، أقول لهم: ليس صحيح لأن زيادة البطالة بسبب العولمة هي أفضل خيار تاريخي حصلنا عليه. لأن حان الوقت أن نقول: “عظيم! الأن سنعمل أقل”، ولكن الإفتراض التلقائي جواباُ على البطالة في انها كارثة.

هل تقول أنه لا توجد فعلياً ثورات سياسية مُحكمة السيطرة والتخطيط؟

نعم، هذا تصور هيجلي؛ لا توجد ثورات محكمة التخطيط. وماركس كان يقول أن الثورة البروليتارية عملاً يفهمه بوضوح الذوات التي تقوم به، ويحقق تطلعاتهم. وفي مرحلة ما من التاريخ الطبقة العاملة (بقيادة لينين) كانت تعرف بوضوح المواضيع التي تريد تحقيقها، وعملوا الثورة، ولكن النتيجة لم تكن عن غاية مخططة فلم تعبر بصدق عن المجتمع، بل وقعت في نفس الجدلية التاريخية التي سبق أن وقع بمثلها في مرحلة سابقة من التاريخ.

في كتابي الجديد “شهوانية الباطل: عُقد الفلسفة الإقتصادية”، أسأل عن معدلات الموت في الأنظمة الشيوعية. لا أحارب فقط ضد صدق وشفافية الثورات ولكن أحارب أيضاً ضد الرؤى التي بطريقة أو بأخرى ستكون محل تمجيد في المجتمعات الشيوعية. فأنا أقول فقط، ولكن من الذي يعرف؟ ربما الأوضاع ستكون أسوأ. وحتى بدون تنميط الماركسية بصورة مخادعة يجب علينا فهم مصطلح “الكثافة التاريخية”. افذا كانت جميع القوانين الاجتماعية تفتقر للشفافية الصادقة، سينتج عنها مجتمع جديد مطابق لها تماماً آي أنه في الأساس مجتمعاً لا يعرف مالذي سيقدمه.

أنت أشرت سابقاً إلى الصواب السياسي، هل تعتقد أنه مشكلة؟

لدي بعض الشكوك حول مفهوم “الصواب السياسي”، فأتفق مع أهدافها، وعدم الإهانة، وعدم الذل، وصمودها ضد القوة الاجتماعية، ولكن فكر في شخصية الإنسان “الكائن الحي” الذي يؤمن بالصواب السياسي، سيعيش في هووس بين قلق الإيذاء الشائع و بين كثرة ضحاياه لدرجة أصبحنا فيها دائماً مهددين في كل ما نفعله. واذا نظرت الآن إلى عينيكِ لمدة ثانيتين، قد تُعتبر نظرة طويلة، وتصبح تحت مفهوم “الصواب السياسي” جريمة إغتصاب بصري. بالتالي خلف الصواب السياسي رؤية حزينة ” أننا جميعاً من المحتمل أن نكون ضحايا”.

أليس الصواب السياسي في مجمله هو ضبط اللغة باستخدام ألفاظ لبقة للتعبير عن ذواتنا بغض النظر عن التعصب الموجود بداخلنا؟

نعم لكن تطبيقها يُخفق، فأفضل خطوة للوقوف خلف العنصرية ليس بتغيير اللغة، ولكن بإستخدام نفس اللغة بطريقة ساخرة لاعنصرية بسبب اعتقادي بإستحالة التواصل مع بعضنا بلا قليل من البذاءة.

كنت أتساءل هل تتصور بالإمكان وضع سؤلاً فلسفياً واحداً تحديداً اليوم ليكون بارزاً؟

من الممكن وضع سؤلاً حول طبقات المظهر الخارجي (الشكل)، وهي مسألة مؤلوفة، وحتى كانط ناقشها كثيراً: ” هل كل الذي حولنا يحدد مظهرنا الخارجي؟ هل بالإمكان تجاوز المظهر الخارجي ولمس الجوهر بواقعية كما هو؟”، بالمقابل عظمة هيجل تكمن في التعامل مع هذه المسألة بشكل عكسي، بالقول: “كيف يظهر الجوهر الداخلي بواقعية وصدق عبر المظهر الخارجي كما هو؟”، لأن المظهر الخارجي يعني فجوة مريعة. فالأشياء ليست هي فقط مظهرها خارجي، بل هي ماتظهره لذواتها داخلياً. وأنا هنا هيجلي تماماً، وأؤمن بوحدة المظهر والجوهر، و وجوب تبادل الحد الأدنى من الانعكاسية بين المظهر والمطلق الكلي.

وبالنسبة لي تعلمت من الفيزياء الكمية أن المظهر مجرد مادة، ويمكن قياس مقدار حجمها بمقدار ظهورها، والظهور يعكس الماهية؛ جوهرها.

نحن الأن نقترب من نهاية المقابلة، ولكن قد يتساءل قرائنا، من بين كل الكتب التي قمت بتأليفها؛ ما هي الكتب التي يتوجب علينا قرائتها؟

من كتبي أتصور كتاب “حدث: فلسفة العبور”، وإن كنت تمتلك الطاقة الكافية فأنصح بكتاب “الإرتداد المطلق”.

وأيضاً بالطبع يوجد عندك الفلاسفة العظماء الثلاثة بالنسبي لي وهم: أفلاطون، و ديكارت، و هيجل، ولماذا؟ لأن كل واحداً منهم قدم فلسفة تتوارثها الأجيال. أو كما قال ألفريد نورث وايتهيد : ” أليس تاريخ الفسلفة في جُله هو تاريخ نقد أفلاطون؟”، ومن بعده يأتي ديكارت؛ فالجميع يريد التخلص من ديكارت، وفي القرن التاسع عشر كانوا جميعاً يرغبون في التخلص من هيجل. هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، هم فلاسفة “الحدث”.

 

العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، برأي حليم بركات

حليم بركات

حليم بركات (مواليد 1933) عالم اجتماع واستاذ جامعي وروائي سوري. له العديد من الدراسات والروايات والمقالات المنشورة.

في كتابه (غربة الكاتب العربي)، تطرّق إلى أنواع العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، أو المثقف والسلطة. فيقول مبتدئًا حديثه:

يمكننا، كما أرى، أن نميز العلاقات والمواقف التالية على الأقل:

(1) علاقة اللامبالاة: قد تسود في مجتمع ما علاقة اللا علاقة بين الكاتب والسلطة. في هذه الحالة لا تهتم السلطة بالكاتب، ولا يبدو أن الكاتب يقوم بمحاولات جادة لردم الهوة الفاصلة بينه وبين السلطة أو حتى لإقامة جسر بينه وبينها، فتقتصر علاقتهما على النواحي الثانوية وبطريقة غير مباشرة.

[…] يتمثل هذا النوع من العلاقة إلى حد بعيد بموقف الدولة اللبنانية من الكتابة ويتجاوب الكاتب اللبناني مع هذا الموقف. لا تهتم السلطات اللبنانية بشؤون الكتابة وقضاياها ولا تتأثد بها، ولا تتدخل بشؤونها. ويشعر الكاتب نتيجة ذلك أن بإمكانه أن يعبر عن آرائه بحرية ودون أي ضغط مصطنع. المجال فسيح أمامه للتحدث حول القضايا التي يريد. وإذا ما تدخلت السلطة بشؤونه يكون ذلك بضغط من إرادة خارج إرادتها. في الحالات القليلة التي تعرضت فيها الدولة اللبنانية للمفكرين أو لإنتاجهم، كما حدث تجاه (عبدالله القصيمي) و(صادق العظم) و(ليلى بعلبكي)، لم تكن الدولة هي المبتدئة بل إنها فعلت ذلك بضغط من فئات داخلية وخارجية يصعب على الدولة أن تغضبها.

بعد ذلك ينتقل (حليم بركات) إلى النوع الثاني من العلاقة:

(2) علاقة الاضطهاد: هذه العلاقة هي عكس علاقة اللامبالاة في كثير من اتجاهاتها ومناحي تصرفها. إنها علاقة تصادم بين الكتّاب والسلطة تجعل هذه الأخيرة تلجأ إلى ممارسة الاضطهاد عن طريق السجن والنفي ومراقبة الكتاب والمجلات والصحف ومنع الأفكار التي تتعرض مع أفكار الدولة.

[…] وإنني أميل إلى الاعتقاد أن الاضطهاد، ولا سيما ذلك النوع العنيف المباشر، يمارس في الدول العربية الرجعية أكثر مما يمارس في الدول العربية التقدمية التي تلجأ إلى الاضطهاد غير المباشر وإلى الوصاية كما سنرى في القسم اللاحق من هذه الدراسة. إن الدول الرجعية أكثر ميلًا إلى استعمال الاضطهاد المباشر لأسباب عديدة من أهمها أن هذه الدول أقل قدرة على كسب تأييد المفكرين من الدول التقدمية. والسبب الأهم هو كون المفكرين أكثر الفئات إمكانية على التحرر من مصالح الطبقات التي ينتمون إليها وأشدها رغبة في تغيير المجتمع ومساندة الحركات اليسارية.

وفي حديثه عن هذا الشكل من العلاقة، ذكر نقطة مهمة:

من مميزات الكتابة في الدول العربية المحافظة، وخاصة في العراق في الخمسينات، أن الكتّاب يلجؤون إلى الرمز في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويميلون إلى تأليه الشعب والكتابة عن آلامه وحرمانه. لذلك بلغ أدب العراق في تلك الفترة درجة فنية رفيعة، وليس صدفة أن الشعر العربي الحديث انطلق بزخم من أرض العراق على أيدي أدباء عانوا الاضطهاد كـ(بدر شاكر السياب) و(عبدالوهاب البياتي) و(بلند الحيدري).

ثم ينتقل إلى النوع الثالث من العلاقات، والذي تمت الإشارة إليه مسبقًا:

(3) علاقة الوصاية: فيما تمارس الدول العربية الرجعية الاضطهاد، تمارس الدول العربية التقدمية الوصاية إزاء معظم الكتّاب وخاصة أولئك الذين يؤيدونها أو يشاركونها في أهدافها كما تمارس الاضطهاد في حالات نادرة إزاء الكتّاب الذين يناهضونها والذين ينتمون إلى أحزاب تعمل سرًا لتعديل الحكم أو تقويضه. لكن الطابع العام للعلاقة القائمة في الدول العربية التقدمية كمصر وسوريا والجزائر والعراق، هو طابع الوصاية.

[…] طبعًا، لم تتمكن الدول العربية التقدمية من أن تقيم وصايتها على جميع الكتّاب فيها. هناك الذين اختاروا النفي إلى الخارج، والذين اختاروا العزلة في الداخل ناذرين أنفسهم لفنّهم، والذين اختاروا الصمت والموت البطيء، والذين اختاروا أن يناهضوا السلطة والاتجاهات السائدة سرًا فكان مصير بعضهم الاضطهاد المباشر العنيف واللامباشر النفسي.

وأخيرًا، يتحدث عن الشكل الأخير للعلاقة، فيقول:

(4) علاقة المشاركة: هناك أخيرًا علاقة المشاركة الحرة التي يمارس فيها الكاتب دوره الفعال في تقرير مصير المجتمع وفي إنماء طاقاته الفنية دون رهبة من قصاص أو اعتداء على حقوقه المدنية. قد يتعاون الكاتب مع الدولة دونما إلزام خارجي، وقد ينقدها ويكشف تناقضاتها دون أن يتعرض للاضطهاد. هناك، بكلام آخر، مناخ عام يساعد على قيام حوار حر دائم بين السلطة والكاتب. والدولة ليست لا مبالية تجاه الثقافة والفكر، بل ترى من مهماتها الأساسية رفع مستوى الثقافة العامة ونشر العلم ومساعدته عن طريق توفير المدارس والجامعات ومؤسسات الأبحاث وتسهيل التبادل الثقافي مع المجتمعات الأخرى. كذلك ترى من واجباتها توفير مجالات الاتصال الدائم بالتيارات الفكرية والاستفادة من آرائها، والمحافظة على حقوق المفكرين وحريتهم أكانوا مؤيدين أم معارضين.