خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | المعرفة

ماهي المعرفة الحقيقية ؟ وكيف نكتسبها ؟ وهل هناك علاقة خفية بين المعرفة وبين أخلاقنا ؟ وماهي غاية المعرفة ؟

آلبيرتو مانغويل وحديثه عن المكتبة بوصفها منزلًا

مانغويل

للعلاقة مع الكتاب والمكتبة فنون ومذاهب شتى، كيف تنشئ المكتبة؟ ومتى؟ لكل  قارئ وصاحب مكتبة، سيرته الخاصة مع الكتاب والمكتبة .(ألبرتو مانغويل)، الكاتب، والناشر، والروائي أيضاً، يجيب عن ذلك في كتابه (فن القراءة)، في مقالته المعنونة “المكتبة منزلاً”.

يقول (مانغويل):

انقضت سبع سنين وأنا أقيم في منزل حجري قديم كان صاحبه كاهن كنيسة، في قرية تعداد بيوتها أقل من عشرة، جنوب وادي اللوار في فرنسا. اخترت المكان لأن هناك حظيرة تجاور المنزل نفسه، تداعت أجزاء منها منذ قرون، كبيرة بما فيه الكفاية لتستوعب مكتبتي التي تناهز كتبها ثلاثين ألف كتاب لملمتها على امتداد ستة عقود من الترحلات. كنت أعلم أنني سأعثر على مكاني حالما تجد الكتب مكاناً لها.

ليست مكتبتي (في هذه الحظيرة) بهيمة واحدة بل هي هجين من البهائم أخرى كثيرة، حيوان فانتازي يتركب من المكتبات العديدة التي بنيتها ثم هجرتها، المرة تلو الأخرى، طوال حياتي. لا أستطيع أن أتذكر وقتاً لم تكن لدي فيه مكتبة ما. مكتبتي الحالية نوع من السيرة الذاتية عديدة الطبقات، كل كتاب محتفظ باللحظة التي قرأتها فيه للمرة الأولى. الخربشات على الهوامش، تاريخ لقاء عابر على ورقة فارغة في بداية الكتاب، تذكرة الباص الحائلة التي أشرت بها إلى صفحة معينة لسبب أجهله في الوقت الراهن، جميعها تحاول أن تذكرني بمن كنته حينذاك. لكنها تخفق في معظم الأحوال. اكتراث ذاكرتي بي أقل من اكتراثها بكتبي، وتذكر القصة التي قرأتها ذات مرة أسهل علي من تذكر الشاب الذي قرأها وقتذاك.

إحدى أولى ذكرياتي (لا بد أن عمري وقتذاك كان سنتين أو ثلاثاً) هي رف كامل من الكتب على الحائط يعلو سرير طفولتي كانت مربيتي تختار منه قصة قبل النوم. كانت هذه هي مكتبتي الأولى، وعندما تعلمت القراءة بنفسي، بعد نحو سنة من ذلك، أصبح ذلك الرف ملكا لي عقب نقله الآن إلى ارتفاع آمن عن الأرض. أتذكر ترتيبي كتبي وإعادة ترتيبها بحسب قواعد سرية اخترعتها لنفسي: يجب وضع سلسلة الكتب الذهبية كلها في مجموعة وحدة، لا يسمح لمجموعات الحكايات الخرافية السميكة بملامسة الكتب بالغة الضآلة لـ(بياتريكس بوتر) يمنع جلوس الحيوانات المحنطة على الرف نفسه مع الكتب. قلت لنفسي إن أموراً رهيبة سوف تحدث إذا انتهكت هذه القواعد. التطير وفن المكتبات يتضافران في آصرة متينة.

تأسست مكتبتي الأولى في بيت في تل أبيب حيث كان أبي سفير الأرجنتين، مكتبتي الثانية كبرت في بوينس آيرس خلال مراهقتي. قبل العودة إلى الأرجنتين طلب أبي من سكرتيرته أن تشتري عدداً كافياً من الكتب لملء رفوف مكتبته في بيتا الجديد، نفذت أمره، فأرسلت في طلب صناديق كاملة من المجلدات لدى بائع كتب مستعملة، وعندما حاولت ترتيبها اكتشفت أن الكثير من المجلدات أكبر حجماً من الرفوف. لم تتورع عن قصقصتها لتصل إلى الحجم المناسب، ومن ثم تجليدها بجلد أخضر غامق أضفى لونه على المكان، مع اللون الغامق لخشب البلوط، أجواء غابة ناعمة. اختلست كتباً من تلك المكتبة لأوسع مكتبتي التي كانت تغطي ثلاثة جدران في غرفة نومي. كانت قراءة هذه الكتب المختونة تستلزم جهداً إضافياً للعثور على بديل للجزء المفقود في كل صفحة، وهو تمرين دربني من دون شك لكي أقرأ في وقت لاحق روايات (وليم بوروز) “المقطعة“.

مكتبة مراهقتي احتوت تقريباً كل كتاب لا أزال على اهتمامي به اليوم، أضيفت إليها بضعة كتب أساسية. أعانني على بنائها معلمون كرماء، وباعة كتب شغوفون، وأصدقاء كان إهداء كتاب بالنسبة إليهم تعبيراً بالغاً عن الحميمية والثقة. أطيافهم تخيم بلطف على رفوفي، ولا تزال الكتب التي أعطوني إياها محتفظة بأصواتهم، وهكذا حين أفتح الآن (حكايات قوطية) لـ(إبيساك دينيسن) أو (القصائد الأولى) لـ(بلاس دي  أوتيرو) ينتابني انطباع بأنني لا أقرأ الكتاب بنفسي وإنما أسمعه يلقى على مسامعي. هذا واحد من الأسباب التي تفسر عدم شعوري بالوحدة أبداً في مكتبتي.

تركت كتبي ورائي عندما أبحرت إلى أوروبا 1969، قبل فترة من حكم الدكتاتورية العسكرية. وعلى ما أظن، لو كنت قد بقيت في الأرجنتين، كما  فعل الكثير الكثير من أصدقائي، لتعين علي إتلاف مكتبتي خوفاً من مداهمات البوليس. ففي تلك الأيام الرهيبة كانت تهمة التخريب واردة لأتفه الأسباب، حتى إذا شوهد المرء ومعه كتاب مشبوه؛ اعتقل شخص أعرفه، بتهمة الشيوعية، لأنه كان يحمل معه رواية (الأحمر والأسود) لـ(ستاندال). اكتشفت السمكريون الأرجنتينيون أن هناك إقبالاً غير مسبوق على خدماتهم، لأن قراء كثراً حاولوا إحراق كتبهم في أحواض مراحيضهم فتصدع بورسلانها.

أينما استقر بي المطاف راحت مكتبة تكبر من تلقائها. في باريس وفي لندن، في قيظ تاهيتي الرطب، حيث عملت كناشر خمس سنين طوالاً (لا تزال آثار التراب البولينزي واضحة على نسختي من أعمال ملفيل)، في تورونتو وكالياري، كنت أجمع الكتب ثم أوسدها الصناديق عندما تأزف ساعة المغادرة، لتنتظر بفارغ الصير داخل المخازن الأشبه بالقبور يحدوها أمل بالقيامة لا يعول عليه. وكنت في كل مرة أسأل نفسي كيف حدث ذلك، كيف تكدس هذا الركام من الورق والحبر الذي  سيغطي جدراني كاللبلاب مرة أخرى.

المكتبة القائمة الآن، بين جدران طويلة تحمل أحجارها في بعض المواضع تواقيع بنائي منازلها الفارهة في القرن الخامس عشر، آوَت، تحت سقف من عوارض خشبية تعرضت لتقلبات الطقس، بقايا تلك المكتبات السابقة كلها، بما فيها كتب من أولى مكتباتي تتضمن الحكايات الخرافية لـ(الأخوين غريم) في مجلدين، مطبوعين بأحرف قوطية الطراز تقبض النفس، ونسخة مليئة بالخربشات من (خياط غلوسستر) لـ(بياتريكس بوتر). ثمة بضعة كتب فقط سيعتبرها المولع الجاد بالكتب جديرة بالاهتمام: نسخة من الكتاب المقدس مزينة بالرسوم نسختها رهبان دير ألماني في القرن الثالث عشر، هدية من الروائي (يهودا إيلبرغ)، بضعة من كتب معاصرة معدة ككتب فنانين، بضع نسخ موقعة وأخرى من الطبعات الأولى. لكني لا أملك المال ولا المعرفة لأغدو مقتنياً محترفاً، وفي مكتبتي تجلس كتب (بنغوين) غضة الإهاب بريقها عائد إلى فرط الاستخدام، مسرورة جنباً إلى جنب مع كتب مخضرمة عابسة فاخرة التجليد.

ولأن مكتبتي, خلافاً للمكتبات العامة، لا تستلزم قواعد عامة يجب أن يفهمها القراء الآخرون ويتشاركوها، فقد رتبتها ببساطة تبعاً لما تقتضيه احتياجاتي وتصوراتي. ثمة منطق مضحك يحكم جغرافيتها. تتحدد أقسامها الرئيسة بحسب اللغة التي كتبت بها الكتب: أي من دون تمييز بين الأنواع، فجميع الكتب المكتوبة أصلا بالإسبانية، أو الفرنسية أو الإنكليزية أو العربية، تجتمع معاً على نفس الرفوف. أسمح لنفسي باستثناءات كثيرة على أية حال. بعض الموضوعات مثل الكتب عن تاريخ الكتاب، دراسات الكتاب المقدس، الروايات المختلفة لـ(أسطورة فاوست)، فلسفات عصر النهضة وآدابها، دراسات المثليين، كتب الحيوان القروسطية، لها أقسامها المستقلة. ثمة أفضلية لكتاب معينين: لدي آلاف من الروايات البوليسية مقابل قصص معدودة جداً من أدب الجاسوسية، مؤلفات (أفلاطون) أكثر من (أرسطو)، أعمال (زولا) الكاملة ويكاد يغيب (موباسان)، الأعمال الكاملة لـ(سينثيا أوزيك) و(جون هوكس) ولا شيء تقريباً لأي من المؤلفين على قائمة الأكثر مبيعاً في النيويورك تايمز. لدي العشرات من كتب رديئة جداً لا أتخلص منها، فقد تعينني ذات يوم إذا احتجت إلى مثال عن كتاب أحسبه رديئاً. الكتاب الوحيد الذي حظرت دخوله إلى مكتبتي كان رواية (بريت إيستون إيليس) مجنون أمريكي التي أحسست أنها قد أمرضت الرفوف بتوصيفاتها المهووسة بتعمد إيلام الآخرين. وضعته في سلة القمامة، لم أعطه لأحد لأنني لا أعطي كتاباً لا أحبه. كما أنني لا أعير الكتب. وإذا أردت من أحد أن يقرأ كتاباً اشتريت نسخة وأهديته إياها. في اعتقادي، إن إعارة كتاب تحريض على سرقته.

إن مكتبتي في نهاية الأمر، ككل المكتبات، ستفيض عن المساحة المخصصة لها. فبعد انقضاء قرابة سبع سنين على إنشائها وصل امتدادها إلى صدارة المنزل التي كنت آمل بإبقائها خالية من رفوف الكتب. كتب الرحلات، وكتب عن الموسيقى والأفلام، وكتب مختارات متنوعة الأشكال تغطي الآن جدران غرف عديدة. رواياتي البوليسية تملأ واحدة من غرف نوم الضيوف، وتعرف الآن  باسم مألوف هو غرفة الجريمة. ثمة قصة لـ(خوليو كورتاثار) هي (المنزل السليب)، وفيها يضطر أخ وأخت إلى الانتقال من غرفة إلى أخرى لأن هناك شيئاً لا يسمى يحتل منزلهم برمته شبراً بعد شبر، ويرغمهم في النهاية على الخروج إلى الشارع. أتكهن بأن كتبي، على غرار ذلك الغازي المجهول الاسم، ستتم اجتياحها التدريجي ذات يوم. سأكون آنئذ مطروداً إلى الحديقة، ولأنني أعرف مسلك الكتب، فما أخشاه هو أن ذلك المكان بأمانة الظاهري قد لا يأمن طموح مكتبتي الجائعة.

عبدالرحمن منيف وأحاديث حول الثقافة الوطنية

منيف

عبد الرحمن منيف (1933 – 2004) روائي سعودي. يعد (منيف) أحد أهم الروائيين العرب في القرن العشرين؛ حيث استطاع في رواياته أن يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي العربي، والنقلات الثقافية العنيفة التي شهدتها المجتمعات العربية خاصة في دول الخليج العربي أو ما يدعى بالدول النفطية، ربما ساعده في هذا أنه أساسا خبير بترول عمل في العديد من شركات النفط مما جعله مدركا لاقتصاديات النفط، لكن الجانب الأهم كان معايشته وإحساسه العميق بحجم التغيرات التي أحدثتها الثورة النفطية في صميم وبنية المجتمعات الخليجية العربية.

في كتابه (بين الثقافة والسياسة)، والذي طرح فيه (منيف) عددًا كبيرًا من الأسئلة بلا جواب، تحدث فيه عن عدة أمور، منها بعض من الأفكار حول الثقافة. يقول منيف عن مكانة الثقافة للمجتمع:

إن ثقافة أي شعب تمثل السمات الأساسية التي تكوّن وجدانه، وتعكس مدى صلابته، وتحدد كيف يفكر وكيف يواجه الأزمات، وأخيرًا كيف يعبر عن موقفه، خاصة وأن الثقافة لا تستطيع الهروب من المشاكل والهموم الحقيقية للناس، ولا التنكر لطموحاتهم وأحلامهم، كما أنها خير معبّر عن الروابط الأساسية وتطلعات المستقبل أكثر مما ترتهن للطارئ والجزئي، كما تفعل السياسة غالبًا.

ويتابع حديثه:

ولأن جوهر الثقافة الوطنية هو الوعي التاريخي للعصر والواقع معًا، وإدراك حقيقة الأخطار والتحديات، فمن خلالها إذن نستطيع قراءة الأفكار وآمال المستقبل، ومن قولها الجهير أو الرامز نلتقط الهموم، كما نحس المخاوف، مخاوف الأيام القادمة، كما نقرأ من خلالها التحديات، وما يدبره لنا العدو لكي يوقع بنا، وهكذا تصبح الثقافة الوطنية مواجهة واسعة وكبيرة بين خيارين وإرادتين، خيار وطني دافعه الحرية والكرامة الوطنية ومقاومة التبعية، وخيار العدو الذي يريد الهيمنة والإلحاق والاستغلال. ومن خلال صراع الإرادتين تتحدد المواقف ويحكم عليها. وبذلك تتجاوز الثقافة مجرد تسجيل المواقف أو البراعات اللغوية والأسلوبية، لأن حقيقتها تتجلى في رفض ما يريد العدو فرضه أو تكريسه، وفي انتهاج فعل مغاير لمسار الإلحاق والتبعية، وتحريض القوى الحية في المجتمع لكي تختار ما يعبر عن مصلحتها وطموحها.

ويقول:

الثقافة هي الرصيد الروحي لحضارة من الحضارات. هي تراثها وطاقتها على التجدد والمتابعة والإبداع، وهي القدرة على التحدي والاستمرار. أي أن الثقافة تصنع عقل الأمة ووجدانها، وبالتالي فهي التي تحمي هذا العقل وتزيده معرفة وإدراكًا، وهي التي تغني الوجدان وتجعله أكثر ثراء وأسرع استجابة لقيم الحق والعدل والجمال.

يستمر (منيف) بعد ذلك، فيشرح “الثقافة الوطنية”، قائلًا:

الثقافة الوطنية هي مجموعة من الأفكار والقيم والصيغ والتعبيرات التي لا تقتصر على الكتابة، أيًا كان نوعها، فقط، وإنما تشمل أيضًا المعايير القيمية والسلوكية التي تُعتمد وتوجّه، مضافًا إليها الطاقات والنشاطات التي يمارسها الناس تعبيرًا عن موقف، أو تحديدًا لعلاقة، خاصة مع الآخر. وهي بمقدار ما تكون فكرًا فإنها ممارسة أيضًا. أي بكلمات أخرى: إن الثقافة الوطنية هي مجموعة من القيم الأساسية، والمتطورة في نفس الوقت، المرتكزة جوهريًا غلى مبادئ الحق والعدالة والحرية والكرامة، إن على المستوى العالمي، أو على مستوى كل بلد، أي الوطني، بما في ذلك مقاومة الظلم أيًا كان مصدره، والدفاع عن الأرض والكرامة الوطنية تجاه أية قوة خارجية غازية، وهي تعبير عن الحق في الوطن والحرية، ومسؤولية في الدفاع عن الوطن والحرية.

هذه القيم، وما يماثلها والتي يفترض أن تشكل جوهر الثقافة الوطنية، تتطلب مقارنة بما كان سائدًا ونقده، لاستخلاص المواقف أكثر صحة وأكثر فعالية، من أجل إقامة معادلة جديدة تأخذ بعين الاعتبار أخطاء الماضي، ولترميم العلاقة بين أطراف يفترض أن تكمّل بعضها، وأن تساهم معًا في دور وطني من أجل بناء ثقافة وطنية جديدة تلائم طبيعة المرحلة وتحدياتها.

إعادة القراءة كولادةٍ جديدة، عند سونتاغ

 

سوزان سونتاغ

سوزان سونتاغ (1933 – 2004) ناقدة ومخرجة وروائية أميركية.

في مقالة مترجمة حصريًا لدى ساقية، تتحدث (سونتاغ) عن القراءة، فتستفتح قائلة:

مهلًا.! لا أستطيع التفكير بهذه السرعة! بل حتى أنني لا أستطيع أن أكبر بهذه السُّرعة!

تبتدئ (ماريا پوپوڤا) كاتب المقالة، بأن تقول:

حين كتبتُ مؤخرًا عن إجابة عالم الفيزياء الفلكي (نيل تايسون) عندما سُئل عن «الكتاب الذي يجب على كل ذكي قراءته» شعرت بالأسف لشبه الانعدام التام لأصوات النساء في الاقتراحات التي قدمها والشُّح العام في الرموز الثقافية النسائية في قوائم القراءة العامة في مجتمعنا. وأشرتُ يومها إلى أن (سوزان سونتاغ) استثناء وحيد، فمذكراتها التي نُشرت تُعد بمثابة عنصر جوهري لقائمة قراءة لمدى الحياة. لكن بالإضافة لكونها أحد أكثر القرّاء نهمًا في القرن العشرين إذ كانت تقضي بحسب تقديرها ما يقارب من ثمان ساعاتٍ إلى عشر في القراءة، كانت من أشد المؤيدين والممارسين لأحد الفنون الممتعة والمنسية: إعادة القراءة!

«يا مخلفات اليوم البغيضة، اسمحي لي بالإشارةإلى أنني لا يجب أن أتهاون مع نفسي ولن أتنازل عن قادم أيامي». على هذا الأمر عزمت (سوزان) البالغة من العمر خمس عشرة عامًا في كتابها (ميلادٌ جديد: مذكراتٌ ودفاتر.)

هذه المجموعة الرائعة من المذكرات التي قدمت لنا اليافعة (سوزان) التي تحدثت عن الفن والزواج والأشخاص الأربعة الذي يجب أن يغدوا كتّابًا إلى جانب واجباتها في أن تصبح عشرين شيئًا. وبعد أسبوع من السخط على «المخلفات المقززة» في ذلك اليوم الذي تظاهرت فيه باستمتاعها بفيلم صاخب مُشبع بالألوان، التفتت (سوزان) إلى مذكرات (أندريه جايد) تنشد الخلاص وتُمجد ثمار إعادة القراءة.

كتبت (سوزان) في إحدى ملحوظاتها في سبتمبر من عام 1948:

أنهيت قراءة هذا الكتاب في الثانية والنصف من ليلة ذات اليوم الذي ابتعته فيه، كان علي قراءته بسرعةٍ أقل مما فعلت، كما يجب أن أُعيد قراءته غير مرة. لقد بلغت و(جايد) حدًا مثاليًا من التواصل الفكري، حتى أنني شعرت بآلام المخاض الذي خبُره أثناء ولادة كل بُنيّةٍ من بناتِ أفكاره. لكن مهلًا.! لا أستطيع التفكير بهذه السرعة! بل حتى أنني لا أستطيع أن أكبر بهذه السُّرعة!

ذلك أنني لست أقرأ هذا الكتاب وحسب، بل أجدني أقوم بصناعته وخلقه بنفسي. إن هذه التجربة الأخّاذة والمختلفة طهّرت عقلي من غيابات الحيرة والاضطراب والعُقم التي كانت سببًا في انسداده طيلة هذه الأشهر المنصرمة البائسة..

وبعد أشهر قليلة، كتبت عن حماس إعادة القراءة:

لقد تأثرت كثيرًا بغوته وإن كنت أعتقد أنني لا زلت بعيدةً عن فهمه -مع أن مسرحية (دكتور فاوست) لـ(كريستوفر مارلو) كانت كالمنجم إذ أمضيت وقتًا جزيلًا  في التنقيب داخله، فضلًا عن إعادة قراءتها مراتٍ عدة والتغنّي بالعديد من فقراتها بصوتٍ عالٍ مرةً تلو الأخرى. إن مناجاة (فاستوس) التي قرأتها ما يربو على مئة مرة كانت رائعةً ولا تُضاهى..

في مكانٍ ما، في أحد المذكرات القديمة، اعترفت بخيبة أملي تجاه رواية (دكتور فاوستوس) لـ(توماس مان):

لقد كان هذا الأمر دليلًا  جليًّا على نوعية حِسي النقدي الفطيرة. إن هذا العمل عظيمٌ ومُرضٍ ولذلك يتوجب علي قراءته عدة مراتٍ قبل أن أتمكن من امتلاكه..

إنني أُعيد قراءة ما يعجبني من الكتابات والتي لطالما كنت أحسبها مهمةً بالنسبة إلي، وأنا مندهشةٌ بكل تلك التقييمات التي أملكها..

وأضافت (سوزان) بحماسٍ ملحوظةً في مدح القراءة بصوتٍ عالٍ:

من الرائع أن تقرأ بصوتٍ مرتفع..!


[المصدر]

كيف تقرأ كتابًا؟ نصائح من فيرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

اديلين فيرجينيا وولف (1882 – 1941) أديبة إنجليزية، اشتهرت برواياتها التي تمتاز بإيقاظ الضمير الإنساني، ومنها؛ (السيدة دالواي)، و(الأمواج). وتعد واحدة من أهم الرموز الأدبية المحدثة في القرن العشرين.

كتبت (فيرجينيا وولف)، عام 1925 مقالًا  بعنوان “كيف يمكن للمرء أن يقرأ كتابًا؟”، نترجمه لكم بترجمة حصرية. استهلت (وولف) مقالتها بالحديث عن الذاتية قائلة:

النصيحة الوحيدة التي يمكن لشخص ما أن يُسديها لغيره عن القراءة هي الا تأخذ بنصيحة أحد، وأن تتبع حدسك ومنطقك الشخصي لتصل إلى إستنتاجاتك الذاتية. إذا كنا متفقين على هذا المبدأ، فأنا أشعر بالحرية لعرض بعض الأفكار والإقتراحات لأنك لن تسمح لها أن تُقيّد إستقلالك الشخصي، والذي يُعتبر أهم صفة يمكن للقارئ أن يتحلى بها. في النهاية، ما هي القوانين التي يمكن فرضها على الكتب؟ لقد وقعت بالتأكيد معركة واترلو في يوم محدد; لكن هل مسرحية هاملت أفضل من مسرحية الملك لير؟ لا يمكن لأي شخص أن يجيب إجابة حتمية على هذا السؤال، بل يجب أن يقرر كل شخص إجابته بنفسه. لكن أن نستقبل هيئات ذات نفوذ في مكتباتنا ونسمح لهم أن يملوا علينا كيف نقرأ وماذا نقرأ وقدر القيمة التي نضعها في ما نقرأ، فذلك معناه أن ندمر روح الحرية والتي هي أساس هذه المنابر. ففي أي مكان آخر نحن مقيدون بالقوانين والعادات – لكن هناك، لا يوجد أي من ذلك.

وحذرت (وولف) من جلب أرآء مسبقة إلى قراءتك فأضافت:

القليل من الناس يطلبون من الكتب ما تستطيع الكتب أن تمنحنا إياه. في أغلب الأحيان، نحن نأتي إلى الكتب ببال مشوش ومشتت، نطلب من القصة أن تكون حقيقة، ومن الشعر أن يكون كذبة، ومن السيرة الذاتية أن تكون مُتملِقة، ومن التاريخ أن يعزز من تحيزنا الشخصي. لكن إذا استطعنا أن نتخلص من كل هذه التصورات المُسبقة أثناء القراءة، فهذه ستكون بداية بديعة.
لا تُلقّن كاتبك; حاول أن تضع نقسك مكانه .. فلتصبح شريكه ورفيقه  في العمل. فإنك إذا بدأت القراءة بالتأخر والتوقف والنقد،فأنت بذلك تمنع نفسك من الحصول على الإستفادة الكاملة الممكنة مما تقرأ. لكن إذا جعلت عقلك مُتفتحًا بأكبر قدر ممكن، فستنقلك الرموز والتلميحات الدقيقة الغير ظاهرة بين إنعطافات وتقلبات الجمل الأولى، إلى صُحبة كائن بشري ليس له مثيل. فلتتعمق وتعود نفسك على ذلك وعاجلًا .ستجد أن كاتبك يعطيك، أو يحاول إعطائك، شيئًا أكثر تحديدًا.

وتذكرنا (وولف) بالمهارات التنافذية للقراءة والكتابة:

لعل أسرع طريقة لفهم مبادئ ما يفعله الروائي هي ليست عن طريق القراءة، بل الكتابة; وأن تخوض تجربتك الشخصية مع المخاطر والصعوبات الكامنة في الكلمات.

وناقشت (وولف) كيف أن إعمال الخيال هو بحد ذاته مهارة إستثنائية:

قراءة الرواية هو فن صعب ومعقد. إذا كنت تريد الاستفادة من كل ما يتيحه لك الكاتب – الفنان العظيم – فيجب عليك الا تمتلك بصيرة دقيقة وعظيمة فحسب، بل أن تمتلك مخيلة كبيرة وجريئة ايضًا.

وبما أنني محبة يائسة للمذكرات والرسائل القديمة، فقد أعجبت بوجه خاص برأي وولف عن جاذبية التلصص الأدبي  – خاصة أنه معلوم أن (وولف) نفسها كانت كاتبة مذكرات بارزة:

يجب علينا أن نسأل أنفسنا، إلى أي مدى تأثر الكتاب بحياة كاتبه – وإلى أي مدى يكون آمنًا أن ندع البطل يترجم الكاتب؟ وإلى أي مدى يجب علينا أن نقاوم أو نفصح عن مشاعر التعاطف أوالكراهية التي أثارها البطل نفسه بداخلنا – وإلى أي مدى الكلمات رقيقة، ومتقبِلة لشخصية الكاتب؟ هذه هي الأسئلة التي تفرض نفسها علينا عندما نقرأ رسائل وحيوات غيرنا. ويجب علينا أن نُجيب عليها بأنفسنا، حيث أنه لا يوجد ما هو أشد هلاكًا من أن نكون مُنقادين بمناهج غيرنا في قضية ذاتية للغاية.

لكننا ايضًا يمكننا قراءة هذه الكتب لغرض آخر، فلا نقرأ لإلقاء الضوء على الأدب أو التعرف على حياة المشاهير، بل لننعش وندرب قدراتنا الذاتية الإبداعية. 

انتقلت (وولف) للحديث عن تعقيدات الشعر، معلّقة عن ماهية الشعر والعوامل التي تحدد جودته:

إن أثر الشعر لهو قوي ومباشر، فللحظة لا تشعر بأي مشاعر سوى تلك التي أثارتها القصيدة بداخلك. أي عمق شديد نصل إليه في هذه اللحظة – وإلى أي مدى يكون إنغماسنا كاملًا ومفاجئًا! لا يوجد هنا ما يمكن الإمساك به; لا يوجد ما يمكنه أن يخرجنا من إستغراقنا… فلهذه اللحظة كما يحدث عند أي صدمة عنيفة لشعور ذاتي، يصبح وجودنا متمركزًا ومحدد. بعدها يبدأ الشعور بالفعل بالتوسع من خلال عقولنا في حلقات أكثر إتساعًا، ليصل بنا إلى أحاسيس أكثر تباعدًا; فتبدأ الأصوات والتعليقات بالتكون بداخلنا وننتبه إلى صدى وإنعكاسات القصيدة، فإن  قوة تأثير الشعر تشمل مقدار كبير من المشاعر.

لكن بالرغم من هذا الإفتتان الباطني لتجربة قراءة الشعر نفسها، إلا أن (وولف) تذكرنا أن الهبة الحقيقية للقراءة تكمن في فترة الحضانة حيث تصبح الإنطباعات المؤقتة مُتحدة ومتمثلة في أفكار عميقة:

الخطوة الأولى لإدراك الإنطباعات بأقصى قدر من الفهم، هو فقط الجزء الاول من عملية القراءة والتي يجب أن تكتمل إذا أردنا الحصول على المتعة الكاملة من الكتاب. يجب أن نصدر أحكامًا على هذه الإنطباعات الكثيرة; ويجب أن نصنع  من هذه المجسدات العابرة مجسدات راسخة وثابتة ولكن ليس بشكل فوري، فلتنتظر إلى أن يستقر غبار القراءة، وإلى أن تهدأ تساؤلات وتضارب الأفكار. فلتتحدث مع غيرك أو تذهب للمشي أو للنوم أو لقطف البتلات الذابلة من الأزهار. بعدها فجأة وبدون إرادة منا – حيث أن هذه التحولات تتكفل بها الطبيعة  –  سيعود لنا الكتاب ولكن بشكل مختلف، فسيطفوا بكامله على سطح أذهاننا.

وكإثبات للنظرية التي تنص على أن كل الإبداعات  تُبنى على ما أُكتُسب قبلها، علقت وولف قائلة:

نحن متأكدون من أن حداثة الشعر والأدب القصصي الجديد هي أكثر صفة سطحية بها، وأننا يجب علينا أن نُعدّل قليلًا – لا أن نعيد صياغة – المعاييرالتي استخدمناها للحكم على الأعمال القديمة.


[المصدر

منافع القراءة لدى رديارد كيبلنغ

روديارد كبلنغ (1865 – 1936)، كاتب وشاعر وقاص بريطاني ولد في الهند البريطانية. من أهم أعماله (كتاب الأدغال) 1894. وكما ألف العديد من القصص القصيرة. منها (الرجل الذي اصبح ملكا) 1888. حصل هذا الكاتب على جائزة نوبل في الأدب سنة 1907 وبذلك يكون هو أصغر حائز على الجائزة، وأول كاتب باللغة الإنجليزية يحصل عليها.

في كتاب (داخل المكتبة .. خارج العالم)، والذي قدّم فيه المترجم السعودي الشاب (راضي النماصي) عددًا من النصوص والمقالات، التي ترجمها إلى العربية، ينقل عن (روديارد) كلماته التالية:

هناك فكرةٌ – أو لنقل كانت هناك – تقول بأن القراءة بحد ذاتها عملٌ مقدس. شخصيًا لا أتفق معها تمامًا، لأني أرى وجود شخصٍ مولعٍ بالقراءة فقط دون سبب يثبت أحد أمرين: إما كسله، أو أنه مجهدٌ من كد المعيشة، ويود الراحة بصحبة كتابٍ ما. ربما يكون فضوليًّا ويود أن يتعرف على الحياة قبل خوض غمارها، ولذلك يندمج في أي كتاب تقع يداه عليه لكي يفهم ما يحيره أو يرعبه أو يثير اهتمامه.
من الصعب الآن أن أقول بأهمية الأدب لدى حياة الرجال و الأمم، ولكن الرجل الذي يريد اقتحام الحياة دون معرفة شيءٍ عن آداب بلاده و لا إحاطةٍ بالكتب الكلاسيكية و لا تقديرٍ لقيمة الكلمات مقعدٌ بقدر من يريد إجادة رياضة دون أن يعرف أساسياتها، فهو لا يعرف عظماءها و بالتالي لايجد طموحًا يريد الوصول إليه. لدي كتابٌ في البيت، ويحتوي على ملخصاتٍ مرقفةٍ بصورٍ حول جميع الآلات مستمرة الحركة خلال القرنين الماضيين. الغرض من تأليف هذا الكتاب هو توفير حلول المشاكل للمخترعين، وقد كتب المؤلف في المقدمة : “إن أحد أكبر أخطاء العقل هو الثقة بأن كل أخطاء تصاميم الآلات الميكانيكية – وخصوصًا الحوادث – قد حصلت للمرة الأولى. أكبر حماقات المخترع هي تجاهل المخططات السابقة بالإضافة إلى انعزاله عن الحياة” .
وهذا بالضبط هو حال من لايقرأ الأدب، فهو جاهلٌ بكل ما سبقته من خططٍ في هذه الحياة. أجدر بمثل ذلك الشخص ألا يضيع وقت وصبر أصدقائه – أو حتى يهدد سلامة مجتمعه – بالقيام بأمرٍ خطر في باله أو بال جاره، سبق و أن جُرب ووضع جانبًا قبل ذلك الوقت بألف سنة، والذي كان يمكن أن يطلع على رسومه و بياناته – إن شئنا التقريب- بمجرد أم كلّف على نفسه و قرأ.

ثم يتابع قائلًا:

أحد الأشياء التي يصعب إدراكها – خصوصًا من الشباب – هو أن أسلافنا قد علموا ببعض الأشياء حينما كانوا على قيد الحياة، وربما عرفوا أشياء في غاية الأهمية. والحق أقول بأني لن أتفاجأ فيما لو كان ما يهمهم في حياةٍ سالفةٍ هو ما يهمنا الآن. ما ينساه كل جيلٍ هو أن الكلمات التي تصف الأفكار تتغير على الدوام، بينما الأفكار ذاتها لا تتغير بنفس الوتيرة أو تتجدد.
وإذا لم نول اهتمامًا للكلمات مهما كانت، فربما نكون في مكان أولئك الذين يريدون اختراع محركٍ دون النظر في المخططات و المحاولات السابقة، ويتفاجأ بفشل محاولته.
إذا تجاهلنا الكتب الكلاسيكية للغاتنا و ركزنا على الكتب المعاصرة، سنصل إلى اعتقادٍ بأن العالم لا يتقدم إلا إذا أخذ بالتكرار. في كلا الحالتين سنتوه، وما يهم هو أن يتيه الآخرون وليس نحن. بالتالي، فإن الأفضل لنا أن نهتم بقراءة منجزنا الأدبي عبر كل العصور، وذلك لأن الشخص حين يقرأ لما كتبه الناس منذ زمنٍ سيفهم أن ما يُكتب الآن هو الأفضل .