خلاصات RSS لهذا القسم

أرشيف | المعرفة

ماهي المعرفة الحقيقية ؟ وكيف نكتسبها ؟ وهل هناك علاقة خفية بين المعرفة وبين أخلاقنا ؟ وماهي غاية المعرفة ؟

فرجينيا وولف : لماذا نقرأ؟ وماهي أوجه الشبه بين أعظم الأعمال الأدبية؟

تترابط عقولنا، نحن البشر، ببعضها البعض. فكل عقل متقد اليوم، يحاكي عقولاً عظيمة كانت موجودة فيما مضى، أمثال (أفلاطون) و(يوربيديس) إذ يمثل تطوراً واستمرارية للشيء ذاته. إنه ذلك الفكر المشترك الذي يربط العالم بأسره .فالعالم، في جوهره، ليس سوى فكر.

لقد أدرجت (باتي سميث) ضمن قائمة المعايير التي وضعتها لتصنيف الروائع الأدبية، قدرة هذه الأعمال على سحر قارئها إلى الحد الذي يشعره بضرورة إعادة قراءتها مرة أخرى. في حين اعتبرت (سوزان سونتاغ) أن عملية إعادة القراءة، تلك، هي بمثابة ولادة جديدة للنص. وأظنني أُوافقهما  الرأي في ذلك، عن طيب خاطر، لأنني أواظب على قراءة رواية (الأمير الصغير) مرة في كل عام. إذ أجدها تبوح لي، في كل قراءة، بمعان جديدة، ومرممات وجودية لكل ما يمكن أن يعكر صفو حياتي في تلك اللحظة.

قد نلجأ، نحن القراء، إلى إعادة قراءة بعض الأعمال المحببة إلينا، لأننا ندرك عدم استمرارية التجارب الإنسانية، بالإضافة إلى آنية تلاقي الحالات والظروف التي تكوّن الذات البشرية في  أية لحظة من الزمن. ناهيك عن إدراكنا لتطور شخصياتنا في العام المقبل، إذا ما قورنت بها في العام الفائت، لتغدو أكثر نضجاً في مواجهة كافة التحديات، و الآمال، والأولويات. حيث تصبح ذاتاً جديدة، مختلفة كلياً عنها فيما مضى.

كانت (فرجينيا وولف) في الحادية و العشرين من عمرها حين سجلت هذا الاعتراف، بصفاء ذهني لا يضاهى، وألق لغوي فريد. ففي صيف عام 1903، انزوت (وولف) بعيداً عن صخب مدينة لندن، لتذهب في إجازة قضتها بين رحابة، وخضرة الريف  الإنكليزي، لتستمتع بعزلتها، وتقرأ ما يحلو لها.

ربما بلغت قراءتي خلال هذه الأسابيع الثمانية في الريف، ما يفوق ما أقرؤه في ستة أشهر أثناء وجودي في لندن.

في غضون تلك الرحلة الاستجمامية مزدوجة الفائدة، والتي حققت فيها مكسب القراءة والتأمل، وصلت (وولف) إلى اكتشاف السبب الحقيقي الذي يجعلنا نقرأ، بالإضافة إلى ما يمكن للكتب أن تقدمه للروح الإنسانية، وكيف لها أن تمهد لما أسمته (إيريس مردوك): “فرصة للتجرد من الأنانية”، وكيف يمكن للكتب أن تؤدي براعتها المذهلة في كونها تنشأ عن ذهن شخص معين، لتتمكن من الوصول، بهذه الحميمية، إلى آلاف، أو ربما ملايين الأشخاص عبر الزمان والمكان، في عملية تداخل بين مختلف المشاعر، ضمن تجربة تشاركية واسعة.

في الأول من يوليو، كتبت (وولف) في مذكراتها ما يلي:

إضافة إلى الكتابة، فإنني أقرأ الكثير. بيد أن الكتب هي أكثر الأشياء التي أستمتع بها.

في بعض الأحيان، أشعر بأجزاء من دماغي تتسع و تكبر أكثر فاكثر، و كأنها تنبض بدم متجدد، بشكل أسرع من ذي قبل. وليس هنالك شعور أكثر لذة من هذا الشعور. أما حين أقرأ التاريخ، فكل شيء يصبح ,على حين غرة، نابضاً بالحياة. متفرعاً جيئة و ذهاباً، مرتبطاً بكل أشكال الأشياء التي كانت بعيدة في الماضي. وكأنني أشعر، على سبيل المثال، بتأثير (نابليون) على أمسيتنا الهادئة في الحديقة. لأرى كيف ترتبط عقولنا ببعضها البعض، وكيف يمكن لأي عقل متقد أن يحمل التركيبة ذاتها التي كونت عقل (أفلاطون) أو (يوربيديس) إنها عملية تتمة وتطوير لذات الشيء. هو ذلك الفكر المشترك الذي يربط العالم بأسره، فالعالم، في جوهره، ليس سوى فكر.

في وقت لاحق من حياتها، كتبت (وولف) في وصفها الرائع لإدراك معنى أن تكون مبدعاً، ما يلي:

ثمة مثال يكمن خلف كل حالة ضبابية. هذا العالم عبارة عن عمل إبداعي. لا وجود لـ(شكسبير) فنحن الكلمات في أعماله، أو (بيتهوفن) فنحن الألحان في موسيقاه، ولا لإله، فنحن الشيء بعينه.

بعد بلوغها الحادية والعشرين من العمر، تمكنت (فرجينيا) من إدراك آنية هذه اللمحات الجزئية للحقيقة، وكيف يمكن لهذا الشعور بالانتماء الداخلي، أو ذاك الشعور بالكينونة، أن ينزلق من بين أيدينا. تكمل (وولف) تدوين ذات المذكرات التي كتبتها في عام 1903 بلفتة رشيقة من إدراكها أن “العالم بأسره ليس سوى فكر” إلى ذاك الهروب المألوف للمعنى، حينما  تجتاحنا تلك الحالة الضبابية لتحيلنا غرباء، مرة أخرى:

ثم أقرأ قصيدة تقول “ذات الشيء يتكرر”. لأشعر أنني تمكنت من القبض على المعنى الجوهري للعالم، و كأن كل هؤلاء الشعراء والمؤرخين والفلاسفة يتبعون طرقاً تتفرع عن ذاك المركز، حيث أقف. ليعتريني بعض الاضطراب بعدها، فيؤول كل شيء للخطأ من جديد.

وبعد أكثر من عقد من الزمن، كررت (وولف) وجهة النظر ذاتها، في واحدة من مقالاتها الاستثنائية التي كتبتها في غضون عملها كناقدة في الملحق الأدبي لصحيفة التايمز البريطانية، والتي تم جمعها، مؤخراً , في كتاب  تحت عنوان (نبوغ و حبر؛ مقالات  للكاتبة (فرجينيا وولف) حول كيفية القراءة) هذا الكتاب الذي كنت سأدرجه، بكل شغف، ضمن قائمة كتبي المفضلة لهذا العالم، لو كنت من أولئك الذين يفضلون إعادة قراءة الروائع الأدبية المحببة إلى قلوبهم.

كما هو حال الشاعرة البولندية الحائزة على جائزة نوبل للأدب (فيسوانا شيمبورسكا) التي اتسم نقدها التأملي بكونه يوظف الكتب كنقطة انطلاق لتأملات سامية حول الفن والحياة، أكثر من كونها نماذج للمراجعة أو النقد، تعامل (وولف) كل كتاب تقوم بمراجعته كحجرة سقطت من جيب معطفها في نهر الحياة [*]. حيث تقوم برصد الصيغة الأساسية للعمل، ومن ثم تراقب حلقات الإدراك التي تتنامى وتترقرق في نهر الوعي . في أولى مقالاتها من تلك السلسلة التي تناولت فيها روايات الكاتبة (تشارلوت برونتي)، تبنت (وولف) وجهة نظر عميقة حول نشأة الروائع الأدبية، والذي نعاود الرجوع إليه مراراً، وتكراراً :

ثمة ميزة تتشارك بامتلاكها كافة الأعمال الأدبية الحقيقية. ففي كل قراءة لها، يلاحظ القارئ تغييرات طفيفة. كما لو أن نسغ الحياة يجري في أوراقها. أو أنها تمتلك، كما هو حال السماء و النباتات، القدرة على تغيير شكلها ولونها بين فصل و آخر. إن تدوين انطباع القارئ حول مسرحية (هاملت) بعد قراءتها في كل عام، من شأنه أن يصبح أشبه بسيرة افتراضية لكاتبها. فكلما ازدادت معرفتنا للحياة، كان لدى (شكسبير) تعقيباُ على ما عرفناه.


[المصدر]

[*] يقصد بها الإشارة إلى حادثة انتحار (فرجينيا وولف)، حيث ملأت جيوب معطفها بالحجارة وألقت بنفسها في نهر أوز.

حديث (جون لوك) عن أهمية التفكير وتحصيل المعرفة

جون لوك (1632 – 1704) هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في رنجتون في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك أخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).

يُعتبر (لوك) اليوم أحد رؤوس ومؤسسي الفلسفة الليبرالية المعاصرة. وفي كتاب جمع (الأعمال الفلسفية الكاملة)، نقله إلى العربية الأستاذ (عبدالكريم ناصيف)، يقول (لوك) في ختام كتابه، التي حمل عنوان (الفهم البشري)، يقول (لوك) في فصل حمل عنوان “على الناس أن يفكّروا ويحصّلوا المعرفة بأنفسهم” عن التفكّر المستقل في الحقيقة ومنابعها: 

أي انتقاد حين نشك بمبادئ فطرية كهذه، يمكن أن ينصب علينا من الناس الذين نجدهم ميالين لأن يدعوا ذلك بأنه إلغاء للأسس القديمة للمعرفة واليقين، أمر لا يمكن أن أتكلم عنه، فقد أقنعت نفسي، على الأقل، بأن الطريق الذي أتبعه ، لكونه مريحًا وممثلًا للحقيقة، يجعل تلك الأسس أرسخ. كما أنني على يقين من أنني لم أجعل شغلي أن أتبرأ من أية مرجعية أو أتبعها، مؤثرًا العمل بالقول التالي: الحقيقة هي هدفي الوحيد، وحيثما يؤدي بي ذلك، فإن تفكيري سيتبعه من دون تحيز، ومن دون تفكير فيما إذا كان على ذلك الطريق آثار أقدام أخرى أم لا. ذلك لا يعني أنه ينقصني الاحترام الذي تستحقه آراء الناس الآخرين، بل، بالحقيقة، أنا أكنّ أشد الاحترام للحقيقة، وأرجو ألا يظن أحد بأنه نوع من الغطرسة أن أقول إننا، ربما، كنا سنحقق تقدمًا أكبر بكثير في مجال اكتشاف المعرفة التأملية والعقلانية، لو بحثنا عنها في منابعها، في نظرنا للأشياء بذاتها، واستخدمنا تفكيرنا الخاص من تفكير الآخرين لكي نجدها. 

يقول (لوك) بعد ذلك في فصل آخر، حمل عنوان “من أين أتى الرأي بالمبادئ الفطرية”:

حين وجد الناس بعض المقولات العامة التي لا يمكن الشك فيها حالما تُفهم، صار الطريق، كما أعلم، قصيرًا وسهلًا لاستخلاص أنها فطرية. وما إن تم قبول هذا مرة، حتى سهّل الطريق أمام الكسالى وأراحهم من عناء البحث والاستقصاء في كل ما يتعلق بما تم اعتباره ذات مرة فطريًا. ذلك لم يكن بذي فائدة ضئيلة بالنسبة لأولئك الذين عملوا لأن يكونوا أساتذة ومعلمين، وأن يجعلوا هذا مبدأ المبادئ “المبدأ يجب ألا يكون موضع تساؤل”، ولأنهم رسخوا هذا المعتقد ذات مرة، بأن هناك مبادئ فطرية، فقد جعل ذلك أتباعهم مضطرين لأن يتلقوا عقائدهم بعينها كما هي، وهو ما ابتعد بهم كثيرًا عن استخدام عقولهم وملكة الحكم لديهم، كما جعلهم يؤمنون بها ويأخذونها على الثقة من دون مزيد من التفحص، ذلك هو وضع الثقة العمياء الذي يمكن فيه أن يتم التحكم بهم بسهولة أكثر، وكذلك الاستفادة منهم لدى نوع من الناس، لديهم المهارة والكفاءة لأن يطبعوهم بمبادئهم ويقودوهم.

نصائح (جون لوك) في آلية القراءة الصحيحة

جون لوك (1632 – 1704) هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في رنجتون في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك أخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).

يُعتبر (لوك) اليوم أحد رؤوس ومؤسسي الفلسفة الليبرالية المعاصرة. وفي كتاب جمع (الأعمال الفلسفية الكاملة)، نقله إلى العربية الأستاذ (عبدالكريم ناصيف)، يقول (لوك) في مقالته، التي حملت عنوان (في مسلك الفهم)، تحديدًا في فصل مخصص عن القراءة: 

فأولئك الذين يقرؤون كل شيء يعتقدون أنهم يفهمون كل شيء أيضًا، لكن الأمر ليس كذلك دائمًا. فالقراءة تزوّد الذهن بمواد المعرفة فقط، والتفكير هو الذي يجعل ما نقرؤه ملكًا خاصًا بنا. فأذهاننا هي من النوع المجتر، لذا لا يكفي أن نحشوها بقدر كبير من الأحمال، ذلك أننا ما لم نمضغها مرة ثانية وثالثة لن نستفيد منها كقوة مغذية.

فالدراسة والتمحص لكل ما نقرأ، وبدون تحيّزات، هو الشرط الأساسي لتحصيل المنفعة من القراءة:

فليس كل ما هو موجود في الكتب مبنيًا على أسس صحيحة، ولا هو مستنتج دائمًا من المبادئ التي يدّعي أنه مبني عليها. لذلك التفحص العميق مطلوب لاكتشاف الحقيقة، وهو ما ليس ذهن كل قارئ معدًا للقيام به، ولا سيما أولئك الذين يسلّمون أنفسهم لطرف معيّن أو حزب، ويتصيدون فقط ما يمكن أن يجمّعوه معًا، بحيث يدعم ذلك الطرف أو يكون لصالح الاعتقاد بأفكاره. مثل هؤلاء الناس يبعدون أنفسهم عامدين متعمدين عن الحقيقة، وعن كل منفعة حقيقية قد يتلقاها المرء من القراءة.

كما يشير (لوك) أيضًا إلى ضرورة الانتقائية في اختيار الكتب المفيدة:

إن من يمضي بخطًا ثابتة راسخة في المسار الذي يشير إلى ما هو صحيح، سرعان ما يصل إلى الغاية من رحلته، وعلى نحو أسرع بكثير من ذلك الذي يجري وراء كل ما يلفاه في الطريق، رغم أنه يعدو طوال النهار بأقصى ما لديه من سرعة.

يختتم بعد ذلك (لوك) الفصل المخصص عن القراءة، بالتأكيد على أن القراءة بطريقة نقدية ستنعكس على كل جوانب الحياة الشخصية للقارئ، حتى خارج نطاق الأفكار والفلسفة:

إلى ذلك أضيف إن هذه الطريقة في التفكير في ما تقرأ والانتفاع منه ستكون عقبة دائمًا وعائقًا في طريق الإنسان في البداية فقط، لكن حين تجعل العادة وكثرة الاستعمال ذلك أمرًا مألوفًا، سيجري ذلك في معظم المناسبات من دون توقف، أو قطع لمسار قراءتنا. ذلك أن حركات الذهن الذي تمرس بتلك الطريقة ونظراته تصبح على نحو مدهش، والإنسان الذي يعتاد على مثل ذلك النوع من التفكير يرى -بلمحة عين- ما يتطلبه هو حديثٌ طويل لشرحه للآخرين غير المعتادين على ذلك النوع من التفكير، والتوصل منه إلى استنتاج كامل وتدريجي. عدا ذلك، حين يتم تذليل الصعوبات الأولى، فإن المتعة والفائدة المعقولة التي يحملها ذلك يمكن أن تشجع الذهن وتتعشه في أثناء القراءة التي يصعب أن نسمّيها، من دونه، دراسة عن حق.

عن حياة النضال: رسالة من المنفلوطي إلى تولستوي

 

MustafaLutfial-Manfaluti

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

مصطفى لطفي المنفلوطي  أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته، قام بالكثير من الترجمة لبعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية وصقلها في قالب أدبي.

 

في مطلع القرن العشرين اهتم الكُتاب العرب بتولستوي ومؤلفاته الأدبية، وتابعوا أهم تطورات حياته و مؤلفاته الفلسفية، وبوجه خاص تحدث الأدباء العرب عن نضال تولستوي ضد الأغنياء والملكية الخاصة.
ومن ضمن أولئك الأدباء، مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) وهو أديب وشاعر مصري، ولديه مؤلفات أدبية كثيرة  أشهرها كتابي (النظرات والعبرات ) أبلغ ما كُتب في العصر الحديث. وترجم عدة روايات فرنسية شهيرة، صاغها بأسلوبه الخاص صياغة عربية في غاية الروعة.
في كتاب النظرات  كتب المنفلوطي مقالة بعنوان ( إلى تولستوي) وهي رسالة مفتوحة كتبها عندما عَلِم بأمر عزلة تولستوي، فبعد معاناته من التهاب رئوي حاد وقبل وفاته بتسعة أيام ترك تولستوي بيته سرًا بصحبة سكرتيره، لينفصل عن حياته العائلية ويرتاح من شجار زوجته الدائم.

854

ليو تولستوي (1827-1910)  مؤلف وأديب ويُعدّ من أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، ذاع صيته في روسيا والعالم؛ نظرًا لإبداعاته الأدبية التي تعدُّ الأعظم على مرِّ التاريخ، لاسيما روايتي (الحرب والسلم) و(آنا كارنينا). ويعدّ تولستوي روائي ومصلح اجتماعي وداعية سلام ومفكر أخلاقي.

ابتدأ المنفلوطي مقالته بتعزية لتولستوي بسبب حالة الضيق واليأس التي كان يعيشها من أقرب الناس له، ومن المجتمع الذي لطالما كرَّس قلمه لإصلاح أخلاقه وقيمه.

حدثنا الناس عنك، أنك ضقت بهذا المجتمع الإنساني ذرعًا بعد أن أعجزك إصلاحه وتقويمه، فأبغضته وعفت النظر إليه، وأبغضت لبغضه كل شيءٍ حتى زوجك وولدك، ففررت بنفسك منه إلى غاب تسمع زئير سباعه؛ أو دير تأنس برنة ناقوسه وأسجلت أن لا تعود إليه، فعذرناك، ولم نعتب عليك؛ لأنك قاتلت فأبليت حتى لم يبقَ في غمدك سيف، والعدو كثيرٌ عدده صعب مراسه، والشجاعة في غير موطنها جنون، والوقوف أكثر من ثمانين عامًا أمام عدو لا أمل في براحه ولا مطمع في زياله عناد. وهل كان يكون مصيرك إلا مصير الفلاسفة من قبلك الذين قاتلوا حتى قُتلوا قبل أن يروا منظرًا من مناظر الصلاح والاستقامة في المجتمع البشري يعزّون به أنفسهم عن أنفسهم.

تحدث المنفلوطي عن الصراع بين تولستوي والقيصر، فتولستوي لم تعجبه حياة الشقاء والفقر التي يعيشها معظم الناس؛ بسبب قوة الإقطاع التي تضطهد الشعب، فطلب من القيصر المساواة بين الناس عندها غَضِب القيصر منه وأدى ذلك إلى ملاحقة تولستوي بدلاً من الإصغاء إلى نصائحه.

قلتَ للقيصر:

أيها الملك إنك صنيعة الشعب وأجيره لا إلهه وربه، وإنك في مقعدك فوق عرشك لا فرق بينك وبين ذلك الأكّار في المزرعة، وذلك العامل في المصنع، كلاكما مأجور على عمل يعمله فيسدده، وكلاكما مأخوذ بتبعة زلَـلِه  وسقطه، فكما أن صاحب المصنع يسأل العامل هل وفّى عمله ليمنحه أجره، كذلك يسألك الشعب هل قمت بحماية القانون الذي وَكل إليك حراسته فأنفذته كما هو من غير تبديل ولا تأويل؟ وهل عدلت بين الناس، فآسيت بين قويّهم وضعيفهم، وغنيّهم وفقيرهم، وقريبهم وبعيدهم؟ وهل استطعت أن تستخلص عقلك من يدي هواك فلم تدع للحب ولا للبغض سلطانًا على نفسك يعدل بك عن منهج العدل ومحجته؟ ..
فما سمع منك هذه الكلمات حتى أكبرها وأعظمها؛ لأنه لم يجد بين الكثير الذي يعاشره من يُسمعه مثلها، فحقد عليك ونقم منك وأزعجك من مكانك واستعان على مطاردتك بأولئك الذي أذل نفوسهم، وأفسد ضمائرهم بظلمه وجوره من قبل؛ ليعدهم لمقاتلة الحق ومصارعته في أيام خوفهِ وقلقه.

من مواقف تولستوي الجريئة، معارضته للكنيسة، وهي إحدى القوى التي تعتمد عليها الدولة في اضطهاد الشعب وسلبه حقوقه، وما كان من الكنيسة إلا أن تُعلن إبعاده نظرًا لآرائه المتعارضة معها، فكفّرته.

وقلتَ للكاهن:

إن المسيح عاش معذّبا مضطهدا لأنه لم يرضَ أن يقر الظالمين على ظلمهم، وأبى أن يخفي ذلك المصباح الذي في يده تحت ثوبهِ، بل رفعهُ فوق رأسه غير مبالٍ بنقمة الملوك على ذلك النور الذي يكشف سوءتهم، ويهتك سترهم، وأنت تزعم أنك خليفته وحامل أمانته والقائم بنشر آياته وكلماته، فما هذه الجلسة الذليلة التي أراك تجلسها تحت عروش الظالمين، وماهذه اليد التي تضعها في أيديهم؛ كأنك تأخذ عليهم العهود والمواثيق أن يقتلوا ويسلبوا باسمك، وفي حمايتك وحماية الكتاب المقدس!
ذلك ماقلت للكاهن؛ فكان جوابه أن أرسل إليك كتاب الحرمان، وهو يعلم أنك لا تعترف له بالقدرة على إعطاء أو منع، ولكنه أراد تشويه سمعتك والغضّ منك وإغراء العامة بك وصرف القلوب عنك، فكان ذلك كل ما استفدتَ من نصيحتك وعظتك.

اختتم المنفلوطي رسالته بإن ليس بوسع أي أحد إصلاح المجتمع، مادام ذاك المجتمع راضيًا بجهله وفساده وعبوديته.وهكذا انتهى الحال بـ تولستوي ولم يستجب لندائه أحد.


فهنيئًا لك أيها الرجل العظيم ما اخترتَ لنفسك من تلك العزلة المطمئنة، فقد نجوتَ بها من حياة لا سبيل للعاقل فيها إلا أن يسكت؛ فيهلك غيظًا أو ينطق؛ فيموت كيدًا.
إن الحكيم يستطيع أن يحيل الجهل علمًا والظلمة نورًا والسواد بياضًا والبحر برًا والبر بحرًا، وأن يتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء، ولكنه لا يستطيع أن يحيل رذيلة المجتمع الإنسانيّ فضيلة وفساده صلاحًا.

كولن ويلسون: كم عدد الكتب التي ينبغي امتلاكها؟

كولن هنري ولسون (1931-2013) كاتب إنجليزي ولد في ليسستر في إنجلترا. من أشهر كتبه كتابي (اللامنتمي) و(ما بعد اللامنتمي).

في كتاب (حلم غاية ما)، والذي نقلته إلى العربية الأستاذة (لطفية الدليمي)، أدرجت المترجمة مقالًا في بداية الكتاب بعنوان ” كم عدد الكتب التي ينبغي امتلاكها؟”، والذي نُشر في كتاب (الكتب في حياتي).

يقول (كولن) في افتتاحية مقالته:

في عام ١٩٥٠م، وبدفع من نصيحة مكتبيّ يعمل في لوس أنجلوس، انطلق (هنري ميلّر) في إعداد قائمة بمائة كتاب من الكتب التي عدّها الأكثر تأثيرًا في حياته، وكما يحصل في العادة اشتطّ (ميلّر) كثيرًا واندفع بعيدًا عن مخططه الأولي، وكتب مجلدًا بثلاثمائة صفحة عنوانه (الكتب في حياتي). سجّل (ميلّر) ملاحظة في مقدمة كتابه هذا يقول فيها أن كتابه سيتطور إلى مجلدات عديدة في خضم السنوات القليلة اللاحقة، ولكن الحقيقة أن المجلد ظلّ يُطبع بحجمه الأصلي ولم تحصل أي إضافات عليه كما لم تظهر أي مجلدات لاحقة تُكمل ما ابتدأه (ميلّر) في عمله الأصلي، وأرى أن بإمكاني أنا ذاتي بعمل قائمة لأكثر الكتب تأثيرًا في حياتي كنت توقعت في البدء أن تكون في حدود العشرين كتابًا وعزمت أن أرفق مع كل كتاب مقالة وافية لا تتجاوز دزينة من الصفحات، وبعدما انطلقت في وضع قائمة أولية بالكتب المطلوبة رأيت نفسي أدوّن خمسين عنوانًا من الكتب دفعة واحدة، وبدون أن أتوقف ولو لبرهة قصيرة، وتبينت أن بالإمكان بكل بساطة أن أضيف خمسين عنوانًا آخر من غير كثير جهد أو إعمال نظر طويل وكان هذا يعني أن كتابي الموعود عن حياتي مع الكتب سيكون مجلدًا بألف ومائتي صفحة في أقل تقدير، ولك أن تعلم بعد كل هذا كم كان ينبغي أن أمارس من جهد وانضباط لكي أقلل عدد العناوين بغية جعل الكتاب في حجم مقبول وقابل للتداول السهل.

يتطرق (كولن) بعد ذلك في حديثه إلى هوسه بالكتب، فيقول:

لطالما كنت طوال حياتي شخصًا مهووسًا بالكتب وهو الأمر الذي يجيب عن سبب امتلاكي لرفوف كثيرة للكتب في بيتي تحتوي على ما بين عشرين إلى ثلاثين ألف كتاب، ويمكن لك أن تتصور الحال إذا عرفت أن كل غرفة في بيتي تحتوي رفوفًا متخمة بالكتب – غرف النوم ليست مستثناة من هذا الوصف – حتى بات من المستحيل من الناحية الواقعية إيجاد فسحة لإضافة أية كتب جديدة، يوجد بضعة آلاف من الأسطوانات والشرائط الفديوية وهي كلها صارت تمثل مشكلة تخزينية جدية بالنسبة لي، ومن الطبيعي للغاية أن الزائرين يسألوني في كل مرة يرون فيها هذه الأرفف من الكتب “(كولن) هل قرأت هذه الكتب كلها؟”، ويتوجب عليّ أن أوضح الأمركل مرة: العديد من هذه الكتب تخدمني كمراجع أعود إليها عند الحاجة طالما أن المكتبة العامة بعيدة عن منزلي ولا أستطيع الوصول إليها متى كنت في حاجة للنظر إلى أحد الكتب المرجعية، وأن البعض الآخر من الكتب اقتنيته على أمل قراءته لاحقًا عند تيسّر الوقت، مثل مجموعة كتب السير (والتر سكوت) التي لم أقرأها لليوم، ولكن إذا كان يتوجب عليّ قول الحقيقة فإنني قرأت فعلًا معظم تلك الكتب وهذا يعني بالضرورة أنني لو أردت الحديث عن الكتب الأكثر تأثيرًا في حياتي لتوجب عليّ فعلًا المضي في كتابة بضع مجلدات عنها، وليس أقل من ذلك أبدًا.

ينتقل (كولن) في موضع آخر إلى الكتب التي يفضلها، فيقول: 

قد يتساءل البعض: أي نوع من الكتب كنت أحب اقتناؤه؟ أقول: كنت أقتني كل الكتب التي تتناول الموضوعات الممتعة لي، وكمثال على هذه الموضوعات: الجريمة، وأذكر أنني قرأت كتابًا عن الجريمة عنوانه (الجرائم الخمسون الأكثر إثارة للدهشة في المائة عام المنصرمة) وأحببت كتب الشعر واقتنيت المئات منها بدءًا من أعمال (شوسر) مرورًا بـ(ملتون) وحتى (تي. إس. إليوت). اقتنيت آلاف الكتب في الموسيقى، والفلسفة، والسيرة، والتاريخ، والنقد الأدبي، والعلوم، وحتى الرياضيات، وبالطبع في الرواية أيضًا، وكانت لديّ مجاميع كاملة لكل أعمال كتابي المفضلين: (ديستويفسكي)، (تيلستوي)، (برنارد شو)، (جي. إج. ويلز)، ولا زالت لديّ بعض من المجموعات التي تنتظر القراءة مثل أعمال (كارلايل) و(راسكين).

منذ أن كنت طفلًا أحببت كثيرًا شراء الكتب المستعملة وهكذا وجدت نفسي في منزلي الجديد الملآن كتبًا كمن حقق أحلامه باقتناء ما يحب من الكتب التي لطالما حلم بقراءتها، وقد اقتنيت الكتب بلا هوادة كمن يطلب الخلود لأجل أن يتوفر له الوقت الكافي لقراءة كل هذه الكتب، كما اقتنيت الكثير من الأسطوانات الموسيقية والغنائية ابتداءً من كلاسيكيات (بيتهوفن) وحتى آخر إصدارات الجاز، وعندما بلغت منتصف الأربعينات من عمري أدركت أنني لست بقادر على قراءة كل تلك الآلاف من الكتب أو سماع تلك الأعداد الهائلة من الأسطوانات وحسبت أنني لو أدمنت سماع الأسطوانات التي لديّ بمعدل عشر ساعات يوميًا فسأحتاج ما لا يقل عن عشر سنوات لسماعها كلها! ولا زلت حتى اليوم عندما أسمع تقريضًا حسنًا لسمفونية (بيتهوفن) التاسعة مثلًا أو لعمل (شتراوس) المسمى Rosenkavalier لا أستطيع مقاومة الرغبة الجامحة في إضافة هذا الإطراء إلى مجموعتي من الأسطوانات وأحسب أن هذه الشهوة الجامحة والمنفلتة تجاه الكتب والأسطوانات هي شكل مخفف من أشكال الجنون في أقل تقدير.

هذا ما حصل في نهاية الأمر إذن: أن أرى نفسي ساكنًا في منزل يعج بالكتب والأسطوانات الموسيقية في كل الأمكنة ؛ في المطبخ وغرف النوم ومدخل البيت حتى بات يحلو لزوجتي أن تسمي هذه الأكوام “مصيدة الشمس”! وبلغ بي الأمر حد أنني لم أعد أقرأ أية مراجعات حديثة للكتب خشية أن لا أكون قادرًا على مقاومة الإغراء العنيف في إضافة المزيد من الكتب إلى منزلنا المتخم بالآلاف منها.