أرشيف الوسم: بول أوستر

لقاء باريس ريڤيو مع پول أوستر، بعنوان فن الخيال

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

بول أوستر، كاتب ومخرج أمريكي مولود في 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية. هنا نقدم لكم حوارًا صحفيًا معه، نُشر في مجلة (باريس ريفيو) الشهيرة، ونُشرت في خريف 2003 [المصدر].

في عام 1985، نُشر كتاب (City of Glass) – احد سلسلة القصص القصيرة الثلاثية الرائدة في نيويورك، من قبل دار Sun and Moon  في مدينة سانفرانسيسكو بعد أن رفضها سبعون ناشرًا في نيويورك، وتم نشر الاقصوصتين الأُخريتين (Ghosts) و (The Locked Room) في السنة التي تليها كان يبلغ (بول اوستر) الثامنة والثلاثون عامًا وبالرغم من كتاباته المنتظمة للتقييمات النقدية وترجماته ونَشر قصيدة النثر الخاص به (White Spaces) عام 1980، إلا أن الثلاثية شكلت الانطلاقة الفعلية لرحلته الادبية. 

كتب (أوستر) عن سنوات ماقبل النشر هذه في كتاب (Hand to Mouth: A Chronicle of Early Failure) عام 1997م. كان قد درس في جامعة كولمبيا في اواخر الستينات، ثم عمل على متن باخرة ناقلة للنفط لعدة اشهر قبل أن ينتقل إلى باريس حيث دبر قوت يومه بعمله مترجمًا، ثم أنشأ مجلة صغيرة تدعى (Little Hand) ودار نشر مستقلة تحمل نفس الاسم مع زوجته الأولى الكاتبة (ليديا دافيس). وفي عام 1972 نُشر أول كاتب يحمل مجموعة من ترجماته بعنوان (A Little Anthology of Surrealist Poems). عاد (أوستر) إلى نيويورك عام 1974 ، وحاول من بين مشاريع اخرى بيع بطاقة لعبة بيسبول قام باختراعها، كما قام بنشر أول قصيدة نثر له عام 1982 بعنوان (The Invention of Solitude) وهي عبارة عن مذكرات وتأملات في حياة والده والتي بدأ بكتابتها بعد فترة وجيزة من وفاته.

استمر (أوستر) بنشر كتاب سنويًا منذ السلسة الثلاثية: رواية (In the Country of Last Things) التي ظهرت عام 1987، ورواياته الاخرى بما فيهن (Moon Palace) عام 1989م، و(The Music of Chance) و(Leviathan) في عام 1992م، و (The Book of Illusions) عام 2002م. تم تكريم (أوستر) بميدالية الفنون التطبيقية والادآب من قبل الحكومة الفرنسية عام 1991 وترقيته لمنصب مسؤول عام 1997.

إن أعمال (أوستر) مميزة مابين روايات ومقالات وترجمات وقصائد ومسرحيات وأغاني وتعاونات مع فنانين، بمافيهم (صوفي كالي) و(سام ماسر) وقد كتب نصوص ثلاث مسرحيات: (Smoke) عام 1995م، و(Blue in the Face) عام 1995م، و(Lulu on the Bridge) عام 1998م، واللاتي تم اخراجهن بشكل ممتاز وروايته التاسعة (Oracle Night) والتي سيتم نشرها في عام 2003م.

بدأت المحادثة التالية في فصل الخريف السابق من خلال مقابلة مباشرة في Unterberg Poetry Center عند شارع رقم 92 في مدينة نيويورك، وتمت في فصل الصيف المنصرم خلال فترة مابعد الظهر بمنزل (أوستر) في مدينة بروكلين حيث يعيش مع زوجته الكاتبة (سيري هوستيفيد)، حيث قام المستضيف الكريم بالاعتذار عن تواجد العمال لتركيب جهاز التكييف المركزي، ومن ثم أخذنا في جولة قصيرة. كانت غرفة المعيشة مُزينة بلوحات صديقيه (سام مايسر) و(دايفيد ريد) وكانت في مقدمة البهو مجموعة من الصور العائلية ورفٍ كتب بطول جدار مكتبه في الدور الارضي، وبالطبع كانت على مكتبه الة الكتابة الشهيرة.


لنبدأ حديثنا عن اسلوبك في العمل، عن كيفية كتابتك.

لطالما كتبت بيدي، وغالبًا ما أستخدام قلم حبرٍ سائل، واحيانًا أستخدام قلم رصاص خصوصًا للتصحيح. ولو كان بإمكاني الكتابة مباشرةً بآلة الكاتبة او الحاسوب لفعلت لولا أن لوحة المفاتيح تُهيبني، لم أستطع يومًا التفكير بوضوح وأصابعي بتلك الوضعية. إن القلم آداة عتيقة، تشعر بالكلمات تتدفق من جسدك فتنقشهاعلى الورقة . لطالما كانت الكتابة ذات حس ملموس بالنسبة لي، إنها تجربة بدنية.

وتكتب في مُفكرة وليس في لوح كتابة او اوراق مخصصة لذلك.

بالفعل، أكتب في المُفكرة دائمًا ولدي نوع محدد من المُفكرات ذات الاوراق المربعة الصغيرة.

وماذا عن آلة الكاتبة الاولمبية؟ إننا نعرف القليل عنها بالفعل، فلقد نشرت كتاب رائع مع الرسام (سام ميسير) العام الماضي يدعى (The Story of My Typewriter).

أمتلكت هذه الالة منذ عام 1974، اي لأكثر من نصف حياتي. اشتريتها مستعملة من صديق لي في الجامعة وأشار إلى أن عمرها يبلغ الاربعين عامًا. إنها ألة دمنة من عصر أخر، لكنها في حال جيدة ولم تعطب قط. كل ماعلي فعله هو تغيير شرائطها بين فينة واخرى، لكني أخشى أن يأتي اليوم الذي لا أجد فيها الشرائط فأضطر لاستخدام الحاسوب والانضمام للقرن الواحد والعشرين.

قصة (بول أوستر) الرائعة في اليوم الذي خرج فيه لشراء آخر شريط للطابعة.

لقد حضرت نفسي وأعددت العتاد، اعتقد أن لدي مايقارب الستون او السبعون شريطة في غرفتي على الارجح أني سأتشبث بهذه الالة حتى النهاية صحيح أنها مُرهقة ومُكلفة، لكنها تبعدني عن الكسل.

كيف ذلك؟

إن آلة الكتابة تجبرني على البدء من جديد بمجرد أن أنتهي، ففي جهاز الحاسوب يمكنك أن تغير وتعدل على النص ومن ثم تطبع نسخة نظيفة، بينما لا يمكنك في ألة الكتابة الحصول على مخطوطة نظيفة.

حتى تبدأ من بداية الورقة. إنه اجراء مضجر بشكل غير معقول. أنهيت كتابك، وعليك الآن إمضاء عدة اسابيع مرتبطًا بعمل آلي بحت متعلق بنسخ ماقمت بكتابته بالفعل وهذا مضر لرقبتك وظهرك، وحتى إن كنت تستطيع كتابة عشرين او ثلاثين صفحة في اليوم فإنك تنهي الصفحات ببطئ ممض وفي هذه اللحظة بذات اتمنى دائمًا أن استخدم جهاز الحاسوب. مع ذلك، في كل مرة ادفع نفسي خلال هذه المرحلة النهائية من الكتاب استنتج انها خطوة اساسية؛ فالنسخ يتيح لي تجربة الكتاب من منظور اخر والغوص في اجواء القصة المسرودة وكيف تبدو بشكل تام وهي ما ادعوعها بـ “القراءة بأصابعي”. من المذهل عدد الاخطاء التي ستجدها اصابعك في حين غفلت عنها عينيك تمامًا مثل التكرار، والتركيب الركيك للجمل، والتناغم الضعيف، إنها لا تخيب مطلقًا. ما أن عتقد أني انهيت الكتاب، اكتشف المزيد من العمل لأنجازه عندما اقوم بنسخه.


لنعود الى المُفكرة للدقيقة. كان (كوين) في كتاب (City of Glass) يسجل ملاحظاته في مُفكرة حمراء، و(آنا بلوم) كاتبة كتاب (In the Country of Last Things) تؤلف خطابها في مُفكرة زرقاء، وفي كتاب (Mr. Vertigo) كان (واليت) يكتب سيرته الذاتية في ثلاثة عشر مجلدًا من دفاتر التعبير، وقام (ويلي جي كريسماس) بطل كتاب (Timbuktu)  بسحب كل أعماله لمدينة بالتيمور ليعطيها لمعلم اللغة الانجليزية في مدرسته الثانوية قبل مماته، والتي كانت مابين قصائد وقصص ومقالات ومذكرات وابيغرامات وتأملات ذاتية بالاضافة إلى أول ثمان مائة سطر من الملحمة المستمرة (Vagabond  Days)، وللمفكرة مكان ايضًا في اخر رواياتك (The Book of Illusions) و(Oracle Night) ودعنا لا نعلق على سلسلة قصصك الحقيقة في كتاب (The Red Notebook) مانحن فاعلين بهذا؟

اعتقد أنني أعتبر المُفكرة بيتًا للكلمات، مكان سري للافكار واختبار النفس. لست مهتمًا بنتيجة الكتابة وحدها، بل في آليتها وخطوة كتابة الكلمات على الورق ولا تسألني لماذا، ربما لذلك علاقة في بداياتي المرتبكة وتجاهل طبيعة الخيال. لطالما تساءلت بصفتي شخص يافع، من اين تأتي الكلمات؟ من قال هذا؟ إن وجود شخصية ثالثة قاصة للرواية في الروايات التقليدية لشيء غريب اعتدنا عليها الان، ولم نعد نستنكرها، لكن حين تتوقف للحظة ثم تفكر فيها قليلًا تجدها مريبة، خاصية روحية للصوت كما لوأنها تأتي من الامكان.. واجدها مربكة. لطالمت اُغرمت بالكتب المنغمسة في نفسها، التي تغرقك في اجواءها كما لو أن الكتاب يجرك الى عالمه، والبطل هو راوي القصة. تعتبر رواية (Wuthering Heights) مثال جيد لهذا النوع من الروايات، كذلك رواية (The Scarlet Letter) فبالرغم من أنها ذات طابع خيالي؛ إلا أنها تعطيك فحوًا ومصداقية ليست موجودة في القصص الاخرى. فهم يطرحون الاعمال على انها وهمية – رغم تجنب الكثير من الكتاب قول ذلك – وقبولك لنقطة ان العمل “وهمي” تعزز بشكل متناقض واقعية القصة، فالكلمات ليست منقوشة على حجر من قبل آلهة كتابة مرئي بل انعكاس مجهود شخص من لحم ودم وهذا امر فاتن جدًا. ويصبح القراء مشاركين في كشف القصة لا مجرد مشاهدين منفصلين عن فحوها.

 

متى اكشفت رغبتك بأن تكون كاتبًا ؟

بعد سنة من استيعابي لعجزي عن أن أكون لاعبًا في الدوري الممتاز للبيسبول. لربما كانت البيسبول اهم شيء في حياتي حتى بلغ عمري السادسة عشرة.

ما مدى مهارتك؟

يصعُب الجزم بذلك، لربما بلغت بطولات دوري الدرجة الثانية لو اني استمريت في اللعب. يمكنني الرمي بشكل ممتاز واعتراض الكرات بقوة، لكن لم اكن راكضًا سريعًا. كنت املك ساعد يدٍ قوي وردود فعل سريعة في موقعي على القاعدة الثالثة الذي لطالما لعبت فيه، لكن رمياتي كانت واسعة غالبًا.

أي شخص معتاد على اعمالك سيعرف انك من محبي البيسبول فهنالك مراجع للعبة البيسبول في كل كتاب من كتبك تقريبًا.

احببت اللعب، ولا زلت احب متابعة المباريات والتفكير فيها بطريقة غامضة، منحتني لعبة البيسبول فكرة عن العالم وفرصة لأكتشف من أكون. كنت عليلًا وانا طفل، اصبت بكل انواع الامراض الجسدية وقضيت وقتًا طويلًا قابعًا امام مكاتب الاطباء برفقة امي عوضًا عن التنزه واللعب في الهواء الطلق مع اصدقائي. لم اكن بصحة جيدة وقويًا كفاية للمشاركة في الالعاب الرياضية حتى بلغت الرابعة او الخامسة، وعندما فعلت رميت نفسي فيها بكل شغف كما لو أني اعوض الوقت الذي ضاع مني، علمتني البيسبول كيفية العيش مع اشخاصًا اخرين، وأن استوعب أنني قادرٌ على تحقيق شيءٍ ما اذا وضعته نصب عيني. وخلف هذه التجربة الشخصية البسيطة هنالك روعة اللعب نفسها فهي مصدر لذة لا متناهي.

الانتقال من لعب البيسبول الى الكتابة غير معتاد لأن الكتابة مشروع فردي.

 

كنت ألعب البسيبول في فصلي الربيع والصيف، واقرأ طوال السنة. انه هوس مبكر واشتد مع تقدمي في العمر فحسب. لا استطيع تخيل أي يشخص يصبح كاتبًا دون أن يكون قارئًا نهمًا مثل اليافعين. يستوعب القارئ الحقيقي أن الكتب عوالم بأنفسها، وان هذه العوالم اغنى واكثر اثارة من اي عالم قد نرتحل اليه، وهذا ما يجعل الرجال والنساء كُتاب حسبما اظن. انها السعادة التي يكتشفونها بالعيش في الكتب، صحيح أنك لم تعش ما يكفي لأن تكتب عنه حتى الان، لكن اللحظة تحين عندما تستوعب ان هذا ما ولدت لاجله.

ماذا عن بداية الهاماتك؟ من هم الكتاب الذين كنت تقرأ لهم في المرحلة الثانوية؟

اغلبهم امريكيون. المشتبه بهم عادةً هم: (فيتزجيرالد) و(هيمينغوي) و(فوكنز) و(دوس باسوس) و(سالينجر)، لكن بدأت في سنواتي الاولى استكشاف الاوروبيون غالبًا والروسيون والفرنسيون.

(تولستوي) و(دوستويفسكي) و(تورغينيف) و(كامو) و(اندريه جيد) بالاضافة لـ(جويس) و(توماس). (جويس) خصوصًا، كان مختلقًا عن البقية بالنسبة لي وانا في الثامنة عشرة.

هل كان له التأثير الاكبر عليك؟

أجل، لفترة ما. رغم أني حاولت تقليد اسلوب كل روائي قرأت له. وبالرغم من أن كل شيء يُلهمك في شبابك وتستمر في تغيير أفكارك كل عدة اشهر كتجربة قبعة جديدة. لاتملك اسلوبًا محددًا لكنك بشكلٍ غير واعٍ تحاكي الكُتاب الذين تحترمهم وتقدرهم.

لقد ذكرت بعض الكُتاب الذين الهموك في عملك خلال مسيرتك (ثيربانتس) و(ديكنز) و(كافكا) و(بيكيت) و(مونتين).

جميعهم في أعماقي. يقبع العشرات من الكُتاب في أعماقي، لكن لا أعتقد ان أعمالي تبدو أو تشير لأي شخصٍ آخر؛ فلست أكتب كتبهم بل أكتب كتبي الخاصة.

يبدو انك مولع بكُتاب القرن الثامن عشر الامريكيون حيث تظهر اسمائهم بتواتر مفاجئ في رواياتك: (إدغار بو) و(ملفيل) و(امرسون) و(ثورو) و(هاوثورن). (هاوثورن) بالذات، لقد استلهمت اسم (فانشو) وهو احدى الشخصيات في رواية (The Locked Room) من (هاوثورن)، وبدأت رواية (the Country of Last Things) باقتباس من (هاوثورن)، واقتبست جزء من قصة (هاوثورن)  المدعوة (Wakefield) ولجعلها ضمن سياق رواية (Ghosts)، وفي رواية (The Book of Illusions) مرة اخرى اقتبست اسم قصة (هاوثورن) (The Birthmark) لتجعلها عنوان حوار مهم بين (زيمير) و(إلما). ولنختمها، نشرت في شهر مايو مقالًا طويلًا عن (هاوثورن)، مقدمة من اجل كتاب (Twenty Days with Julian & Little Bunny by Papa) والذي نُشر من قبل New York Review Books. أيمكنك التعليق على هذا الاهتمام الراسخ بـ(هاوثورن)؟

انه اكثر من اشعر بالقرب منه من بين كل الكُتاب القدماء. الشخص الذي يتحدث إلي بعمق، هنالك شيء يتعلق بمخيلته وينسجم مع مخليتي. مازلت اعود إليه باستمرار ، وأتعلم منه باستمرار انه شخص لا يخشى الافكار، بالاضافة لكونه اخصائي نفسي وقارئ عميق للروح البشرية. كانت رواياته ثورية تمامًا، ولم يُشهد مثلها في أمريكا. اعلم ان (هيمنغوي) قال ان الادباء الامريكيون برزوا من بعد رواية (Huck Finn) ولكني لا اتفق معه. بدأ الامر من رواية (The Scarlet Letter). ولكن الامر اكثر من مجرد روايات وقصص (هاوثورن)، فأنا متعلق بمذكراته التي تحتوي على بعض أقوى واشهر نصوص نثره. لهذا حرصت على نشر (Twenty Days) في مجلد منفصل الذي كان متاحًا في The American Notebooks لسنوات عديدة، ولكن في الطبعة العلمية التي تكلف حوالي التسعين دولارًا والتي يتعنى قلة من الناس قراءتها.  تعتبر المذكرات التي احتفَظَ بها بخصوص رعايته لابنه ذو الخمسة اعوام لمدة ثلاثة أسابيع عام 1851 عمل قائم بذاته، بالاضافة لكونه عمل جذاب للغاية وممتعٌ جدًا بطريقته الفريدة. وهذا فيعطينا انطباع وصورة جديدة كليًا عن (هاوثورن). لم يكن ذاك الشخص الحزين والمُهذب كما اعتقده الناس او ليس أنه ليس كذلك فحسب، بل كان ابًا وزوجًا محب. كان رجلاً يحب السيجار الجيد وكأس أو كأسين من الويسكي، كان مرحًا وكريمًا وعطوفًا وخجولًا للغاية. نعم، كان شخصًا يتمتع بملذات العالم البسيطة.


لقد عملت في عدد من المجالات المختلفة لا القصائد والروايات فحسب، بل في النصوص ايضًا والسير الذاتية والنقد والترجمة هل تبدو انشطة مختلفة بالنسبة لك ام انها مترابطة بطريقة ما ؟

مترابطة اكثر من كونها منفصلة، لكن لكٍل منها اهمية مختلفة بالاضافة لانه يجب الاخذ بالاعتبار مسألة الوقت الذي اقضيه في التطوير الذاتي. لم اقم بممارسة الترجمة او كتابة النقد مذ سنوات مضت، لقد كانت شغلي الشاغل الدي استوعبني عندما كنت صغيراً ، تقريبًا من سن المراهقة المتأخرة وحتى أواخر العشرينات من عمري. وكلاهما كانا لأجل اكتشاف كُتاب آخرين، وأن اتعلم كيف أصبح كاتبًا. كان ذلك التدريبي المهني الخاص بي، اذا صح قول ذلك. وبالرغم من أني تلقيت بعض الطعنات من مزاولتي للترجمة والنقد منذ ذلك الحين، إلا أنه امر لا يستحق الذكر. كانت آخر قصيدة كتبتها عام 1979.

ما الذي حدث؟ لماذا استسلمت؟

ارتطمت بجدار. صببت تركيزي لمدة عشر سنوت على كتابة الشعر، ثم اكتشفت اني كنت ابرز نفسي فحسب واني عالق. كانت لحظة مظلمة ، ظننت ان امري انتهى ككاتب.

لقد مت كشاعر، لكنت في النهاية ولدت من جديد كروائي. كيف حدث ذلك برأيك؟

اعتقد انه حدث في اللحظة التي فهمت فيها انني لم اعد اهتم، عندما توقفت عن الاهتمام بإنشاء الادب. اعلم ان ذلك عجيب، لكن من تلك النقطة اصبحت الكتابة تجربة مختلفة بالنسبة لي ، وعدت اخيرًا من بعد حالة الركود التي دامت لعام تقريبًا. خرجت الكلمات على شكل نثر، وكل ما كان يهم هو قول ما يجب أن يقال دون النظر الى اتفاقيات ما قبل النشر او القلق حول كيفية ظهور النص. كان ذلك في أواخر السبعينيات ، واستمريت اعمل بهذه الروح منذ ذلك الحين.

اول كتاب نثر كان (The Invention of Solitude) والذي كتب بين عامي 1979 و 1981 وكان عملًا غير خيالي.  بعد ذلك اصدرت ثلاث رويات عرفت بـ(ثلاثية نيويورك) (City of Glass) و(Ghosts) و(The Locked Room) ايمكنك تحديد الفرق في الكتابة بين هذين النوعين ؟

إن الجهد المبذول واحد ، والحاجة لايجاد العبارات المناسبة هي نفسها، لكن العمل الخيالي يمنحك حرية اكبر ومرونة بعكس العمل الغير خيالي . وبالمقابل، قد تصبح تلك الحرية مرعبة نوعًا ما: ما التالي؟ كيف اتيقن أن العبارة التي سأكتبها لن تقودني لحافة الهاوية ؟ بينما تعرف  في كتابة السير الذاتية القصة بشكل متكامل ، وكل ما عليك الالتزام به هو قول الحقيقة . لكن هذا لا يجعل العمل سهلًا. في اقتباس الجزء الاول من رواية  (The Invention of Solitude) استخدمت عبارة (هيراقطيس) التي ترجمها (دافنبورت) بشكل غير تقليدي وانيق الى: “كن مستعدًا للامتوقع عند بحثك عن الحقيقة، لصعوبة ايجادها وغموضها حين ايجادها” وفي النهاية، الكتابة هي الكتابة. قد لا تكون (The Invention of Solitude) رواية لكني اعتقد انها تناولت نفس التساؤلات التي في رواياتي نوعًا ما، تعتبر اساس كل اعمالي.

وماذا عن كتابة النصوص؟ لقد شاركت في كتابة ثلاث افلام: (Smoke) و(Blue in the Face) و(Lulu on the Bridge) كيف تختلف كتابة النصوص عن كتابة الروايات ؟

تحتلف في كل شيء عدا عن امر حاسم متشابه وهو انك تحاول ان تقص قصة، لكن الوسائل المتاحة لك متباينة تمامًا. إن الروايات سرد ​​محض، تشبه سيناريوهات المسرح ، وكما هو الحال مع كل تأليف درامي فإن ما يهم هو كلمات الحوار. وبطبيعة الحال، روياتي لا تحتوي على الكثير من الحوارات، لذا كان علي تعلم اسلوب كتابة جديد حتى أستطيع التأليف من اجل فيلم ، وأن اتعلم كيف اضع الكلمات على لسان كائن حي. إن كتابة النصوص عمل مقيد بعكس كتابة الروايات ولذلك نقاط قوة وضعف، مايمكن فعله وما لا يمكن، التوقيت الزمني على سيبل المثال مختلف تمامًا بين الفلام والروايات. ففي الروايات يمكنك طي فترة طويلة من الزمن في عبارة واحدة  ” كنت أمشي كل صباح على مدار عشرين عامًا ، إلى كشك بيع الصحف واشتري نسخة منThe Daily Bugle ” لكن من المستحيل فعل ذلك في فيلم، يمكنك إظهاررجل ينزل للشارع لشراء صحيفة في يوم معين ، وليس يوميًا لمدة عشرين عامًا. فالافلام تأخذ مكانا في الحاضر، وحتى لو استخدمت تقنية شريط ذكريات الماضي سيظهر كتجسيد آخر للحاضر.

لطالما اعجبتني عبارة في كتاب (The Invention of Solitude)  تقول “القصص شكل من أشكال المعرفة” اعتقد انها فكرة مهمة فهنالك نوعً من المعرفة لا يأتي بالضرورة بشكلٍ صريح او على هيئة بيانات وشروحات بل على شكل قصص، وهذا يُذعرُني بصفتي المؤلف لـ(The Red Notebook)

اتفق، ارى هذه القصص كنوع من الـ ars poetica لكن دون نظرية او اي محتوى فلسفي. حدثت لي العديد من الامور الغريبة في حياتي والعديد من الاحداث الغير متوقعة والمستحيلة حتى انه لم يعد بإمكاني تمييز ماهو حقيقي. كل ماكان يمكنني فعله هو الحديث عن الالية التي يمشي عليها الواقع لأجمع دلائل عم يجري في العالم واحاول قدر استطاعتي تسجيلها بكل امنة. استخدمت هذا النهج في رواياتي.

انه ليس اسلوبًا بقدر كونه مبدأ: أن اروي الاحداث كما حدثت بالضبط، لا كيف يجب أن تحدث ولا بالطريقة التي نرغب أن تحدث بها. إن الروايات خيالية بالطبع، وبالتالي نكذب بكل ماتعنيه الكلمة، لكنكل روائي يحاول قول الحقيقة خلال هذه الكذبات . القصص القصيرة في The Red و Notebook present مجتمعة تقدم بيانًا لموقفي حول رؤيتي للعالم و حول انعدام التنبؤ بالتجربة. ليست هنالك أجواء خيالية فيهم، بل يستحيل ان تتوجد

عاهدت نفسك على قول الحقيقة وأنك ستقطع يمينك على ان تحنث هذا العهد. والجدير بالذكر أن النُكْتَة كانت النموذج الأدبي الذي وضعته في ذهني عندما كتبت تلك التحفظ. النكتة هي أنقى وأكثر أشكال الرواية أهمية. يجب ضرب حساب كل كلمة.

لابد أن اقوى قصة في ذلك الكتاب هي قصة The lightning . كنت تبلغ الرابعة عشرة عندما حدثت، خرجت أنت ومجموعة من الأولاد للتنزه في الغابة واستقبلتكم عاصفة رعدية رهيبة بشكل مفاجئ، اصيب الولد الذي كان بجانبك بصاعقة وتوفي. إذا كنا سنتحدث عن كيفية رؤيتك للعالم وكتابتك عنها ، فمن المؤكد أن هذه القصة ركيزة أساسية.

لا شك أن هذه الحادثة غيرت حياتي، كان الولد حيًا في لحظة وميتًا في اللحظة التي تليها. كنت على بعد بضع بوصات عنه ، كانت اول تجربة لي مع موت عشوائي وعدم استقرار مربك. تظن أنك تقف على ارضٍ صلبة فتنشق الارض من تحت قدميك وتختفي.


 

اخبرني عن مشروع National Story Project الذي قمت به مع الاذاعة الوطنية. حسبما فهمت أنهم اُعجبوا بصوتك وارادوا أن يستضيفوك على الهواء.

لابد أن للأمرعلاقة بكل السجائر التي كنت ادخنها طوال السنين. الصوت الأَجَشّ و انسداد الشعب الهوائية والقوة الهامدة، لقد شهدت النتيجة اثناء التسجيل. بدوت كحجرصنفرة يُفرك على سطح ورقة جافة.

 

كانت زوجتك سيري من اقترحت فكرة أن يرسل المستمعون قصصهم فتختار من بينها وتقرأه على الهواء ، قصص حقيقة من حياتهم.

اعتقدت انها فكرة رهيبة؛ فللاذاعة الوطنية ملايين المستمعين حول البلاد. شعرت انه اذا وصلتنا مشاركات كافية سنتمكن من انشاء معرض عن الواقع الامريكي. كان للناس كل الحرية في كتابة ما يشاؤون، امور كبيرة كانت ام صغيرة، هزلية ام مأساوية، والشرطان الوحيدان هما ان تكون المؤلفات واقعية وقصيرة لاتزيد عن الثلاث صفحات.

 

ولم قد ترغب في تحمل مثل هذا العمل الهائل ؟ ستنهي قراءة فوق الاربع الاف قصة في مدة قدرها سنة

اعتقد ان لدي عدة محفزات، اهمها هو الفضول. اردت أن اعرف ما اذا مر الناس بنفس التجارب التي خضتها أكنت غريب الاطوار أم أن الحياة كانت غريبة وغير مفهومة حقًا كما ظننتها؟  مع هذا الكم الهائل من الاحتمالات التي يمكن الاستفادة منها ، كان من الممكن أن يأخذ المشروع أبعاد تجربةٍ فلسفية.

 

وما كانت النتيجة؟

يسعدني القول أني لست الوحيد . الامر جنوني

 

وماكانت المحفزات الاخرى؟

قضيت معضم ايام شبابي قابعًا في الغرفة أقوم بتأليف الكتب، كنت سعيدًا بشكل مثالي، لكني اكتشفت متعة العمل مع الاخرين عندما اُقحمت في عالم الافلام وانا في منتصف التاسعة عشرة سنة. ولعل السبب يعود للعبي بشتى انواع الرياضات في صغري احب كوني جزء من فريق صغير، فريق ذو هدف يساهم كل فرد فيه بتحقيق هذا الهدف. هنالك فرق ضئيل جدًا بين الفوز في مباراة بيسبول واعداد فيلم ، ولعل هذا افضل ماوجدته في العمل على الافلام . احساس التكاتف والطرائف التي يخبرها بعضنا بعضًا والصداقات الي انشأتها . بحلول عام 1999 بلغت رحلتي الشيقة مع الافلام نهايتها وعدت بشكل كامل الى كتابة الروايات. اعتزلت الناس لمدت اسابيع واعتقد هذا ما دفع سيري لأن تبدي اقتراحها. ليس لمجرد كونها فكرة رهيبة، إنما للإعتقادها اني سوف أستمتع بالعمل في امر يشمل اشخاصًا اخرين وكانت محقة ، استمتعت جدًا.

 

هل استغرق ذلك الكثير من الوقت؟

ليس لدرجةٍ تعارض اعمالي الاخرى. كانت القصص تصل برتم بطيء ومنتظم طوال فترة تقديمي للبرنامج. لم يكن الامر بذلك السوء، يستغرق تجهيز البث يومًا الى يومين، وهذا لمرة واحدة فحسب في الشهر.\

 

اشعرت انك تقدم خدمة مجتمعية ؟

اعتقد اني فعلت بدرجة ما ، كانت فرصة لأنخرط في حرب العصابات ضد المسخ

 

المسخ؟

انها ” مجال صناعة الترفية ” كما دعاها الناقد روبرت هيوز ذات مرة . لا تقدم لنا وسائل الإعلام سوى المشاهير والقيل والقال والفضائح والطريقة المشوهة والمضطربة جدًا التي نصف بها أنفسنا على شاشات التلفاز والأفلام حتى أصبحت الحياة الواقعية منسية. ما حصلنا عليه هو الصدمات العنيفة والأوهام الهاربة الباهتة وكل ذلك جريًا خلف الاموال . إن الناس يُعاملون كبلهاء متخلفين لا

كبشرًا، بل مُستهلكين يتم التلاعب بهم ليرغبوا بأشياء لا يحتاجونها. سمه انتصار الرأس مالية او الاقتصاد الحر، سمه ماشئت فهو يحتوي على مقاعد معدودة لتقديم وطرح حياة الواقع الامريكي .

 

هل ظننت ان الاذاعة الوطنية قد تغير كل ذلك ؟

بالطبع لا، ولكني حاولت على الاقل شرخ هذا النظام من خلال اعطاء اشخاص عاديين فرصة لمشاركة قصصهم مع الجمهور، اردت ان اثبت انه لا مثيل للشخص العادي . جميعنا نعيش حياة مشحونة وتُحرقنا مشاعرنا الشرسة وعشنا تجارب لا تُنسى بشكل او بآخر.


احدى ابرز المميزات التي احتوتها روايتك الاولى City of Glass هي انك جسدت نفسك من خلال شخصيةٍ في القصة ، وليس انت فحسب، بل زوجتك وابنك ايضًا.  ذكرنا مسبقًا انك كتبت عدة سير ذاتية، لكن ماذا عن رواياتك؟ هل تعتمد على مواد السيرة الذاتية لكتابة رواياتك أيضًا؟

نوعًا ما ، لكن اقل بكثير مما تعتقد. تناولت كتاب Ghosts بعد كتاب City of Glass   بغض الطرف عن اعلاني بأن القصة بدأت في اليوم الثالث من شهر فبراير عام 1947 وهو يوم ميلادي، لم تحتوي القصة على اي أمر شخصي اخر. لكن كان هنالك بعض المواقف التي اقتبستها بشكل مباشر من حياتي الشخصية في كتابThe Locked Room   وهي شخصية آيفان وايشنغرسكي المؤلف الروسي الكهل وصديقه المفضل فانشاو الذي كان في باريس، انه شخصية حقيقة قابلته عندما كان يبلغ الثمانين من عمره وشهدت الكثير من حياته وانا في باريس بمطلع السبعينات، والجزء المتعلق بإعطاء آيفان الثلاجة لفانشاو حدثت لي بالفعل وبنفس الطريقة، الامر نفسه  ينطبق على المشهد التهريجي عندما قدم إفطار القبطان على ظهر ناقلة النفط وكفاحه للحفاظ على الاطباق في الصينية طوال سيره على الجسر رغم العاصفة التي بلغت سبعين ميلا في الساعة . كانت تلك المرة الوحيدة في حياتي التي شعرت فيها انني في احدى افلام بوستر كيتون . هناك ايضًا القصة المجنونة التي تروي حادثة العمل لمكتب الإحصاء الأمريكي في هارلم عام 1970. كانت احداث القصة اقتباسًا لتجربتي الشخصية بالحرف.

 

أتخبرنا انك فعلًا ابتكرت اشخاصًا وهميين ومنحتهم اسماءًا ثم قدمتها للحكومة الفدرالية؟

اعترف بذلك. آمل أن يكون قانون التقادم قد انقضى الآن وإلا سينتهي بي المطاف ملقًا في السجن لإجراء هذه المقابلة . يجب أن أذكر في دفاعي أن المشرف شجع هذه الممارسة لنفس السبب الذي أعطاه في الرواية ” لا دخان بلا نار، استخدم خيالك ياصديقي عمومًا، لانريد ان نغضب الحكومة أليس كذلك؟  “.

 

ماذا عن الرواية التي عقبت Trilogy ؟ أهنالك أي أسرار أخرى ترغب بمشاركتها معنا ؟

انا افكر . . لا يطرأ في بالي شي من رواية  The Music of Chance كذلك In the Country of  Last Things و Mr. Vertigo ايضًا ، هنالك امران بسيطان في رواية Leviathan وامر اخر مسلي في Timbuktu التي كانت عن كلب الكتابة. جسدت نفسي في هذا الكتاب بصفتي نستر أو أومستر زميلة ويلي السابقة في الكلية ( عجز السيد بونز عن تذكر الاسم بالكامل ) وبالفعل ذهبت إلى إيطالياعندما كنت ابلغ السابعة عشرة لزيارة خالتي التي كانت تعيش هناك منذ أكثر من عقد، وحدث أن إحدى صديقاتها هي إليزابيث مان بورغيزي ابنة توماس مان التي كانت عالمة مشاركة في دراسة للحيوانات، ودُعينا في أحد الأيام إلى منزلها لتناول طعام الغداء ، وتعرفت على كلبها “أولس” ، وهو احد كلاب الساطر الإنجليزية الضخمة وتم تعليمه كيفية كتابة اسمه على آلة كاتبة مخصوصة مستخدمًا انفه. رأيت ذلك بأم عيني لقد كانت واحدة من أكثر الأشياء الغير معقولة والاستثنائية التي شاهدتها على الإطلاق.

 

كانت الاحرف البادئة لأسم الراوي في كتاب Leviathan مأخوذة من اسمك ، بيتر ارون وهو متزوج من امرأة تدعى آريس وهو اسم زوجتك معكوسًا

بالفعل، لكن بيتر ليس متزوجًا بآريس بل من بطلة رواية سيري الأولى The Blindfold

 

علاقة حب خيالية

بالضبط.

 

لم تتطرق لرواية Moon Palace. إنها تبدو سيرة ذاتية اكثر من كونها رواية ، كما أن شخصية فوغ بعمرك تمامًا وذهب الى كولومبيا كما فعلت بالضبط.

فعلًا. أعلم أن الكتاب يبدو شخصيًا للغاية ، لكن لا شيء تقريبًا مبني على حياتي الخاصة. لا يطرأ علي سوى امرين، الأول يتعلق بأبي وأراه كنوع من الانتقام بعد وفاته وطريقة لتسوية الامور نيابة عنه.

كان تسلا شخصية ثانوية في الرواية ، وخصصت عدة صفحات للجدل حول AC-DC الذي اندلع بين إديسون وتيسلا عام 1890 حيث قام آفينغ – وهو العجوز الذي يروي قصة –  بممارسة كل انواع الإساءة على إديسون ، واتضح أنه عندما تخرج والدي من المدرسة الثانوية عام 1929 تم تعيينه من قبل إديسون للعمل كمساعد في المختبر في Menlo Park  . كان والدي موهوبًا جدًا في الالكترونيات ، لكن بعد أسبوعين من العمل اكتشف إديسون أنه يهودي فطرده. لم يخترع الرجل الكرسي الكهربائي فحسب ، بل كان شنيعًا معاديا للسامية واردت التطرق له والعودة من اجل والدي لأسدد ديني.

 

وماهو الامر الاخر ؟

انه الليلة التي اعطي فيها إيفينج الأموال للغرباء في الشارع . استلهمت ذلك المشهد مباشرة من أمر حدث لي عام 1969 وهو لقائي مع هيرولد هيومز المعروف باسم دوك هيومز والذي كان أحد مؤسسي منصة The Paris Review  . لقد كان عملًا ضخمًا، لا اعتقد أني كنت سأستطيع تأليفه وحدي.

 

لقد كتبت بعض الصفحات التي لا تنسى عن دوك هيومز في كتاب Hand to Mouth ، وهي احدى مقالات سيرتك الذاتية ايضًا. يتمحور معضم الكتاب حول صراعاتك عندما كنت شابًا لتبقى عصاميًا وهذا يحتمل العنوان الفرعي الفضولي ” A Chronicle of Early Failure “. ما الذي دعاك للأخذ بهذا العنوان؟

 

لطالما رغبت في كتابة شيء عن المال، ليس التمويل او التجارة إنما تجربة عدم امتلاك اموال كافية- تجربة الفقر. لقد فكرت بهذا المشروع لعدة سنوات ولطالما بدا عنوان عملي “Essay on Want ” لوكيًا تمامًا، ومتشبعًا بطابع الثمانينات وحادًا جدًا. كنت اخطط لكتابة عمل فلسفي جاد، ولكن انقلبت الاوضاع عندما بدأت واصبح الكتاب يقص مشكلتي الشخصية المتعلقة بالتعامل مع الاموال. وبغض النظر عن كونه موضوعًا كئيبًا، كانت روح الكاتب هزلية بشكل كبير. مع ذلك، لم يكن العمل عن نفسي فحسب انما اعتبرته فرصة للكتابة عن بعض الشخصيات المشرقة التي قابلتها في صغري كرد دين لهم. لم ارغب يومًا في العمل المكتبي او التمسك بعمل مستقر وثابت ، بل إني اراها فكرة كريهة. انجذبت لنوع مختلف من الاعمال، وهذا منحني فرصة لقضاء الوقت مع اشخاص لا يشبهوني، اشخاص لم يلتحقوا بالجامعات ولم يقرأوا الكثير من الكتب. إننا نميل إلى الاستخفاف بذكاء الطبقة العاملة في هذه البلاد، ولكني وجدت من تجربتي الشخصية أن معظمهم اذكياء بقدر الذين يديرون العالم عدا انهم ليسوا تواقين بقدرهم وهذا كل مافي الامر، وبالمقابل حديثهم اكثر متعة. عانيت اينما ذهبت حتى أنساق معهم ، قضيت الكثير من الوقت وأنفي مدفون في الكتب و معظم زملائي في العمل يتحدثون من حولي.


من هو ملهمك لشخصية هيكتور مان الكوميدي الصامت في فيلم The Book of Illusions؟

لقد ظهر في عقلي قبل حوالي العشر او الاثنا عشر سنة، وتجولت معه لوقت طويل قبل أن ابدأ بتأليف الكتاب. لكن شخصية هيكتور كانت مكتوبة بشكل تام منذ البداية، ليس اسمه فحسب وكونه ولد في الارجنتين، بل حتى البدلة البيضاء والشارب الاسود والوجه الحسن – كل تلك التفاصيل كانت موجودة.

 

لقد ابتكرته من الامكان، لكن عندما قرأنا وصفك لمواقفه الطريفة لم نستطع تصديق انه ليس نجمًا حقيقيًا.

بدا وكأنه اقتحم عالم الافلام التاريخية.  ألديك فكرة من او ماذا الهمك؟

لست متأكدًا. جسديًا، يحمل هيكتور مان تشابهًا قويًا مع مارسيلو ماستروياني في فيلم Divorce, Italian Style وهو فيلم من أوائل الستينيات. قد يكون الشارب والبدلة البيضاء إلهامًا من هذا الفيلم ، رغم أنني لست متأكدًا. يتشارك هيكتور بعض الخصائص مع ماكس ليندر – وهو من اوائل الكومديين الصامتين الفذين – ولربما كان لريمون قريفيث لمسة ايضًا . لكن معضم افلام قريفيث ضاعت مما جعله شخصية غامضة نوعًا ما . ورغم أنه لعب دورًا متألقًا كما فعل هيكتور وكان له شارب ايضًا إلا أن اداء هيكتور كان ادق و اكثر تجسيدًا فنيًا من قريفيث.

 

لقد كانت تفاصيل الافلام معبرة عن الكلمات تمامًا ، كيف اعتنيت بكتابة هذه العروض؟

إنها تتعلق بتحقيق التوازن الصحيح. يجب أن تكون جميع البيانات البصرية موجودة – التفاصيل المادية للعمل – حتى يتمكن القارئ من “رؤية” ما كان يحدث ، وفي الوقت نفسه كان على النثر أن يتحرك بخطى سريعة لمحاكاة تجربة مشاهدة فيلم الذي يعرض لك أربعة وعشرين لقطة في الثانية الواحدة . وقد تعيقك الكثير من التفاصيل، واحساس بعدم الاكتفاء، والعجز عن الؤية. احتجت لمراجعة هذه الصفحات مرارًا قبل أن اشعر أني انجزتها بشكل صحيح.

 

تعد أفلام هيكتور عنصرًا مهمًا في  الرواية. وبالرغم من أن ديفيد زيمر هو الشخصية الرئيسية ، إلا إنه بمجرد أن بدأت الرواية قُتلت زوجته وولديه في حادث تحطم طائرة. اتضح أننا بالفعل  نعرف ديفيد زيمر من أحد أعمالك السابقة فهو صديق ماركو فوج من رواية Moon Palace . وعرفنا ايضًا من ذلك الكتاب أنه الشخص الذي تلقى خطاب آنا بلوم والذي شكّل في الواقع كامل فحو روايتك السابقة In the  Country of Last Things ولم يرد ذكر فوغ في كتاب The Book of Illusions، ولكن أُشير اليه بسرية بإسم ماركو ابن زيمر الثاني Zimmer’s second son, Marco .

عرفت زيمر منذ وقت طويل لكنه كبر بالعمر اللآن ، وحدثت الكثير من الامور مذ اخرة مرة رأيناه.

 

يروي كتاب The Book of Illusions قصة معقدة للغاية ، ولكنها تعبر في صميمها عن استكشاف الاسى.. كيف نواصل العيش بعد خسارة كارثية ؟ كيف نحيي أنفسنا بعد وفاة شخص نحبه؟ من مَنْظُور مختلف تمامًا، كان هذا هو الشغل الشاغل لشخصية تيمبوكتو، أليس كذلك؟ أو دعني اصيغها بطريقة اخرى، هل تعتقد أنه كان بإمكانك كتابة احدى هذه الكتب قبل عشرة أو خمسة عشر عامًا؟

اشك في ذلك فأنا الآن في الخمسينيات من عمري، والأمور تختلف كلما تقدمت في العمر. مضت الحياة، وتخبرك الحسابات البسيطة أنك اجتزت اضعاف ما بقي لك من السنين – اضعاف مضاعفة . يبدأ جسمك في الانهيار ، وتجتاحك الألآم في مختلف انحاء جسمك بشكل لم تعهده من قبل ، ويموتون احبابك واحدًا تلو الاخر. نصبح مسكونين بالأشباح بحلول عمرالخمسين ويعيش الموتى في اعماقنا فنقضي اوقاتنا نتحدث اليهم كما نتحدث للاحياء. من الصعب على شخص يافع فهم هذا. هذا لا يعني أن من يبلغ الـ 20 عامًا لا يعلم أنه سيموت، لكن فقدان الآخرين يؤثر بشدة على كبار السن – ولا يمكنك التيقن مما ستحدثه هذه الخسائر حتى تواجهها بنفسك. فالحياة قصيرة وهشة جدًا وشديدو الغاموض. في الاخير ، كم يبلغ عدد من نحبهم فعلًا طوال حياتنا ؟ القليل فقط ، القليل جدًا وعندما يتوفى معظمهم ، تتغير خريطة عالمك. وكما قال لي صديقي جورج أوبن ذات مرة عن الكبر: يا له من شيء غريب أن يحدث لصبي صغير.

 

لقد اقتبست هذا السطر في كتابك The Invention of Solitude

انه افضل اقتباس سمعته في حياتي عن الهرم.

 

في كتاب Leviathan قال راوي القصة: ” لا يمكن لأحد أن يجزم من أين تُستلهم الكتاب ، ولا حتى مؤلفة

فالكتب تُولد بدافع الجهل ، وإذا حَيت بعد كتابتها فهي تحيى بالقدر الذي لا يمكن فهمها فحسب ”  لأي درجة تؤمن بذلك ؟

صحيح أنني اتحدث مباشرة من خلال شخصيات كتبي. قد يشبهونني في بعض الأحيان ، أو يستعيرون جوانب من حياتي ، لكنني أميل إلى التفكير فيهم ككائنات مستقلة ذاتيا ، بآرائهم الخاصة وطرقهم الفريدة في التعبير عن أنفسهم  عدا انه في هذه الحالة رأي آرون يطابق رأيي.

 

عندما تشرع في كتابة رواية ، ما مدى يقينك بما تفعله ؟ أتعمل بناءًا على خطة ؟ هل تعرف الحبكة مسبقًا ؟

بدأ كل كتاب كتبته بما أسميه ازيز في الرأس. نوع من الموسيقى او اللحن او الايقاع، ومعظم الجهد المبذول في كتابة الرواية بالنسبة لي هو في محاولة أن أظل وفيًا لذلك الازيز والإيقاع. انه عمل حسي للغاية لا يمكنك تبريره أو الدفاع عنه بطريقة عقلانية ، لكنك تعي تمامًا لحظة ضربك للحن خاطئ ، وعادة ما تكون متأكدًا تمامًا عندما تضرب اللحن المناسب.

 

هل تقفز بين فصول القصة وانت تكتب ؟

لا، يبدأ كل كتاب بجملة استفتاحية وانطلق منها حتى اصل لاخر جملة بتسلسل . كل فقرة على حدة. يكون لدي إحساس بمسار القصة – وغالبًا ما املك أول واخر جملة  قبل أن أبدأ – لكن الامور تستمر في التغير اثناء سردي. لم يسبق أن نشرت كتابًا وانهيته بالشكل التي ظننته سيكون عليه. تختفي احداث وشخصيات وتظهر اخرى، أي ان الكتب تبنى اثناء عملية كتابتها وتأليفها وهذه هي مغامرة العمل. سيكون الامر مثيرًا لو أمكنك تخطيط كل شيء مسبقًا.

 

مع ذلك تبدو كتبك دائمًا ممنهجة ومنظمة نوعاً ما ، بل انها احدى الامور التي تُقدر عليها.

مر كتاب The Book of Illusions بعدة تحولات جذرية طوال مسيرته وكنت اعيد تدبر أفكاري بخصوص القصة وصولاً إلى الصفحات الأخيرة. كما اني تصورت كتاب Timbuktu في البداية ككتاب أطول بكثير. كان من المفترض أن يكون لشخصيتي ويلي والسيد بونزأدوار بسيطة ، ولكن بمجرد أن بدأت كتابة الفصل الأول وقعت في حبهما وقررت إلغاء خطتي وتحول المشروع إلى كتاب غنائي قصير عنهما وبالكاد يحتوي أي حكبة . اما بالنسبة لكتاب Mr. Vertigo، ظننت أني أكتب قصة قصيرة تتكون من ثلاثين أو أربعين صفحة ، لكنه تحول لامر يحتاج لحياة بطولها. لطالما بدت الكتابة هكذا بالنسبة لي أخطو ببطء في طريقي للوعي.

 

هلاّ عدنا لقولك ” كل فقرة على حدة ” ؟

يبدو أن الفقرة الكتابية هي وحدة الانشاء الخاصة بي .  فالسطر هو وحدة قصيدة ، وتقدم الفقرة نفس الغرض في النثر – بالنسبة لي على الأقل –  أستمر في العمل على الفقرة إلى أن أرضى عنها بشكل معقول، اكتب وأعيد الكتابة حتى احصل على التركيب المناسب، والتوازن المناسب ، والموسيقى المناسبة – فتبدو جلية وواضحة دون مجهود ، و”غير مكتوبة”. قد تستغرق هذه الفقرة يومًا لإكمالها أو نصف يوم أو ساعة أو ثلاثة أيام . وما أن انهيها اقوم بطباعتها لألقي نظرة افضل عليها. لذلك لكل كتاب مخطوطة يدوية ومخطوطة مطبوعة لاحقة بالطبع ، ليتنى لي مهاجة الصفحة المكتوبة وأجراء المزيد من المراجعات.

 

وشيئا فشيئا ، تتصاعد الصفحات

أجل ،  ببطئ

 

هل تعرض عملك على اي شخص قبل انهائه ؟

سيري. أنها قارئتي الاولى واثق تمام الثقة في حكمها على رواياتي، أقرأ لها منها شهريًا او كلما انهيت مجموعة جديدة من عشرين أو ثلاثين صفحة. تساعدني القراءة بصوت عالٍ في تحكيم الكتاب ومعرفة أين أخطأت أو فشلت في التعبيرعما كنت أحاول قوله ، حينها تبوح سيري بتعليقاتها. لقد كانت تفعل ذلك منذ اثنا وعشرين عامًا ، وكل ما قالته كان ذكيًا وفطنًا دائمًا. لا استطيع تذكر مرة لم أتبع نصائحها فيها؟

 

وهل تقرأ انت اعمالها ؟

اجل ، احاول ان امنحها ما تقدمه لي . يحتاج كل كاتب إلى قارئ موثوق – شخص يتعاطف مع ما تفعله ويريد أن يكون العمل ممتازا قدر الإمكان – لكن عليك أن تكون صادقًا ، هذا هو الشرط الأساسي. لا أكاذيب ، لا تربيت ظهر زائف ، ولا مدح لشيء لا تعتقد أنه يستحق.

 

لقد اهديت رواية  Leviathan لدون ديليلو عام 1992 وبعد 11 سنة ، اهدى هو رواية Cosmopolis لك . من الواضح أنكما تملكان صداقة طويلة وتحترمان اعمال بعضكما البعض. لمن تقرأ من الروائيين المعاصرون هذه الأيام؟

عدد لا بأس به، غالبًا اكثر مما يمكنني عده. بيتر كاري ، راسل بانكس ، فيليب روث ، إي. إل. دوكتورو ، تشارلز باكستر ، جي إم كويتزي ، ديفيد جروسمان ، أورهان باموق ، سلمان رشدي ، مايكل أونداتجي ، سيري هوستفيدت . . هذا مابدر الى ذهني حاليًا ، لكن إذا سألتني نفس السؤال غداً ، فمن المؤكد أنني سأقدم لك قائمة مختلفة. وعلى عكس ما يريده الكثير من الناس تصديقه ، فإن الروايات في حالة جيدة هذه الأيام، بصحة وقوة كما كانت من قبل. إنها عُرف لا ينضب ، وبغض النظر عما يقوله المتشائمون فهي لن تموت أبدًا؟

 

مالذي يجعلك واثقًا من ذلك ؟

لأن الرواية هي المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن يلتقي فيهما غريبان على أسس العلاقة الحميمة المطلقة. يُنشئ الكاتب والقرأء الكتاب معًا ولا يمكن لفن اخر القيام بذلك. لا يمكن لأي فن آخر التقاط جوهر الحياة البشرية الأساسية.

 

ستنشر روايتك الجديدة  Oracle Night في نهاية العام، أي بعد خمسة عشر شهراً فقط من نشر كتاب The Book of Illusions . لطالما كنت دائمًا خصب الإنتاج ، لكن هذا يبدو قياسيًا نوعًا ما.

في الواقع ، بدأت في كتابة Oracle Night قبل The Book of Illusions  . كتبت العشرين صفحة الأولى أو نحو ذلك ، ثم توقفت لاني لم أستوعب ما كنت أفعله تمامًا . استغرق كتاب The Book of Illusions حوالي الثلاث سنوات لكتابته ، وخلال ذلك الوقت واصلت التفكير في Oracle Night  وعندما عدت إليها أخيرًا انجزتها بسرعة مذهلة . شعرت كما لو كنت أكتب في نشوة.

 

وهل كانت الرحلة سلسة طوال الطريق ، أم واجهتك بعض صعوبات ؟

ليس تمامًا، حتى وصلت للنهاية وهي نحو آخر عشرون صفحة . كنت املك نهاية مختلفة عندما بدأت الكتابة ، لكني لم اُسعد بالنهاية عندما أنهيت الكتاب كما خططت له . كان وحشي للغاية ، و مُهَيّج لدرجة قوضت لهجة الكتاب. لقد علقت لعدة أسابيع بعدها. ولفترة من الوقت ظننت أنني سأضطر إلى ترك الكتاب دون اكماله تماما مثل قصة سيدني في الرواية. بدا الأمر وكأنني وقعت تحت وطأة مشروعي وعشت في نفس النضالات التي واجهها بطلي،  لحسن الحظ صابني الالهام أخيرًا وتمكنت من كتابة اخر عشرين صفحة.

 

مذ لحظة ، استخدمت كلمة العلاقة الحميمة، وهذا اول ما يبادر الذهن فيما يتعلق بهذا الكتاب. إنها رواية حميمة بشكل عميق وربما من أكثر الأعمال التي تعلقت بها على الإطلاق.

إنني اعتبرها مثل الـ chamber piece ، عدد قليل جدًا من الشخصيات وكل الأحداث تدور في حلقة زمنية تبلغ أسبوعين فحسب. عمل معقد جدًا ومنطو على نفسه، جزء ضئيل من اجزاء متشابكة.

 

هنالك العديد من العناصر التي سبق وأن استخدمتها مثل الحواشي .

بالكاد كانت الفكرة اساسية بالطبع ، لكني شعرت انها مهمة لهذه القصة بالذات. يقتصر النص الرئيسي على الحاضر ، الأحداث التي تحدث خلال هذين الأسبوعين ، ولا أريد مقاطعة تدفق السرد في حين تستخدم الحواشي للحديث عن امور حدثت في الماضي.

 

لقد استخدمت الرسومات في كتابين سابقين: الخرائط في كتاب City of Glass والرسم البياني في كتاب Mr. Vertigo  لكن في كتاب Oracle Night كان هناك صورتان – لكتاب دليل وارسو لارقام الهواتف 1937-1938 وكان شادًا للغاية وفعال. كيف حصلت على دفتر الهاتف وما الذي جعلك تقرر تضمين هذه الصور؟

ذهبت إلى وارسو عام 1998 لأول مرة، فقدمها لي ناشر بولندي كهدية. كان هناك شخص يدعى أوستر في ذلك الكتاب – ولا شك أنه قتل على يد النازيين بعد بضع سنوات – وبالطريقة نفسها وجد سيدني ، الراوي لـ Oracle Night شخصًا قد يكون قريبًا له، احتجت للصور حتى اثبت أن الكتاب موجود فعليًا – ولم اكن ادعي الامر. الرواية بأكملها مشبعة بالإشارات إلى تاريخ القرن العشرين الحرب العالمية الثانية والمحرقة ، الحرب العالمية الأولى ، الثورة الثقافية الصينية ، اغتيال كينيدي. إنه كتاب عن الزمن بعد كل شيء ، وهو زائل بقدر هذه الاشارات، فهي جزءٌ أساسيٌ من القصة.

 

تعتبر Oracle Night روايتك الحادية عشرة مع مرور السنوات ، هل اصبحت كتابة الروايات الخيالية اسهل بالنسبة لك ؟

لا، لا اعتقد ذلك. فكل كتاب هو كتاب جديد لم يسبق لي كتابته ، وعلي أن أتعلم كيفية كتابته وانا امضي قدمًا. حقيقة أني ألفت العديد من الكتب في الماضي لا تلعب أي دور بذلك. أشعر دائمًا أنني مبتدئ وأواجه نفس الصعوبات ونفس الحواجز ونفس اليأس وارتكب الكثير من الأخطاء ككاتب ، واشطب العديد من الجمل والأفكار السيئة واتجاهل الكثير من الصفحات الفارغة ، ليكون كل ما تعلمته في الاخير هو مدى غبائي. إنه احتلال متواضع.

 

من الصعب أن تتخيل أن روايتك الأولى City of Glass  تم رفضها من قبل سبعة عشر ناشراً أمريكياً والآن ، بعد عشرين عامًا ، تمت ترجمة كتبك إلى أكثر من ثلاثين لغة. هل توقفت يومًا عن التفكير في مهنتك الغريبة: كل هذا العمل الشاق والصبر والنجاح أيضًا؟

أحاول أن لا افعل يصعب علي رؤية نفسي من منظور خارجي فببساطة أنا لا املك المهارة العقلية لفعل ذلك او على الاقل في مجال عملي، بل على الاخرين الحكم على مافعلت. ولا اعدكم أن املك اجابة لهذا السؤال. اتمنى لو بإستطاعتي ذلك، لكني لم اتقن مهارة أن اكون بمكانين في آن واحد.

 

 

 

لقاء جوناثان ليثيم مع بول أوستر (ج.٢)

بول أوستر

 بول أوستر كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد مدينة نيو آرك في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، في سنة 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية.
[اقرأ: الجزء الأول من المقابلة]

هذا الجزء الثاني في مقابلة (بول أوستر) مع الكاتب (جوناثان ليثيم)، التي نُشرت في مجلة The Believer فبراير عام ٢٠٠٥:

يتحدث (بول أوستر) في هذا الجزء عن صراع الإيديولوجيات والتشابه الحضاري الذي يشهده الإنسان على مر العصور، عن سطوة التنكنولوجيا وانفتاحنا نحن البشر على العوالم الافتراضية، بالرغم من أنه استغنى عن معالج النصوص ولازال يستخدم الآلة الكاتبة! كما يتحدث في هذا الجزء عن علاقة الكاتب بالأمكنة، وكيف يلجأ الكاتب بطريقة مّا إلى خلق نفسه من جديد وتحفيز مكامنه الداخلية سعياً وراء التجديد والتغيير.


أماكن:

لقد تذكرت شيئاً مّا طرأ على بالي حين ذكرت لي أمر شقتك الصغيرة، وأتمنى ألا تمانع قولي بأنك تمتلك منزلاً استثنائياً، إنه من تلك المنازل التي فيما أتخيل من المستحيل تركها أو الابتعاد عنها، بمكتب جميل أمارس الكتابة فيه، لكنك في الحقيقة، أراك رتبت خروجك خلسة من هذا المنزل، تنزلق وتنسلّ بطريقة مّا تجعلك ككاتب تتغذى عليها حتى أصبحَت جزءًا لا يتجزأ مما تفعله.

الأمر معقد بعض الشيء، في الحقيقة اعتدت أنا والأولاد العيش في شقة مزدحمة، ولم يكن هناك مكان لي حتى أعمل لذا بحثت عن شقة استوديو وكنت أعمل هناك قرابة الست أو السبع سنوات، ثم اشترينا هذا المنزل بعد ذلك. في البداية، كان لدينا مستأجرون في الطابق السفلي، لكنهم رحلوا أخيراً ثم قررت أن أنقل عملي بالكامل هنا، لسنين عدة، لكن في هذه السنة الأخيرة فقد بدأنا ببعض الأعمال في المنزل، فقد تم غزو هذا الهدوء بكثير من المقاولين والنجارين، السباكين، الكهربائيين، والرسامين كذلك. كان ذلك مزعجٌ جداً، فجرس الباب كان يرن مرات عدة وجرس الهاتف كذلك. آمنت باستحالة التركيز في وضع كهذا، فكرت حينها بأنني ربما لو أعود للفكرة القديمة. وأخيراً، وجدت شقة صغيرة في الجوار منذ تسعة أشهر تقريباً، كان ذلك جيداً، وجيداً جداً. أما بخصوص هذا المنزل الاستثنائي، فكل هذا نتاج حسّ زوجتي (سيري) الجمالي الهائل، ونظرتها الثاقبة للتوازن والانسجام، لكنني طالما شعرت بأنني كالوحش (كاليبان)*، أظنني أسعد في المساحات الفارغة الخالية من البشر.

في المقابل، أنا أستمتع بالعلاقات الغير مباشرة مع الأمكنة، أتفهم أن الناس بدأت تعتقد بأنني انتقلت مجدداً إلى بروكلين للكتابة عنها، لكن الحقيقة الغائبة هي أنني كتبت غالبية كتب بروكلين هذه في تورنتو وساراتوغا سبرنقز وردهات الفنادق الألمانية، فقد بدا لي مُرضياً أن أكتب عن بروكلين من مسافة كافية عنها، أو نظرة عابرة إلى الوراء تتوق اليها.

كما حصل تماماً مع الكاتب (جيمس جويس) في دبلن. أنا أيضاً عاكف على الكتابة عن بروكلين هذه الأيام. آخر كتاب لي، وهو (ليلة التنبؤ)، كان يتمحور حول مدينة بروكلين قبل عشرين عام ٍمضت، لكنني الآن أكتب عنها مرة أخرى وكأنها بروكلين اليوم، أستطيع أن أذكر لك اسم الرواية على أية حال لأنني لن أقوم بتغييره، ألا وهو (حماقات بروكلين). إنها محاولة للكتابة نوعاً مّا في الكوميديا، وهو مجال لم أخض فيه قبلاً حقيقةً، فإني مرتاب من أي كلمة أكتبها، لكنني أستمتع بذلك حقاً، أطمح لخلق شيء مثير للاهتمام وممتع في الوقت آنه.

لا أطيق صبراً عن ذلك!

الأمر كله يتعلق بمحاولتك في مفاجأة نفسك، أن تتوجه بعكس ماكنت تفعل دائماً، تدمر وتحرق كل أعمالك السابقة، أن تجدد ذاتك مع كل مشروع تود القيام به؛ لأنك ما إن وقعت في شرك العادة، فسيختفي الفنان الذي بداخلك. يجب أن تتحدى نفسك في كل مرة ولا تعتمد على أمجادك السابقة، انتهِ منها وضعها جانباً وقل لنفسك: “الآن أنا أستعرض جانباً آخر مني لأن هذا العالم بكل تأكيد كبير ليكون مدهشاً كفاية حتى يُرغمك على اتباع طريقة جديدة في كل مرة تود الكتابة عنه”.

أظن بأنه أيا ما كان فصوتك سيكون بلا حول ولا قوة أمام ذاتك، وأعمالك أيضاً ستتحدى كل محاولاتك لتجاهلها.

بالضبط! لأن كل محاولاتك لتفادي ذاتك غير مجدية، فكل ماتحاول استكشافه موجود بداخلك، هو ذاته هوسك القديم الذي لا يتغير مع تكرار اختلاف طريقة تفكيرك، لكنك تظل تحاول وتحاول، وأظن بأنه لن يبقى الكثير من ماء وجه تلك المحاولات.

ذلك يضحكني جداً، لأنني في الفترة الحالية بدأت في كتابة رواية جديدة، الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو الاستثناءات التي قمت بوضعها، الأمور التي أظنني لن أرتكبها مجدداً، كالكتابة عن مدينة بروكلين، كما أنني أتجنب الكتابة عن عائلة مّا، أبوين وأطفال؛ بالرغم من أنني لاحظت بأن كل كتاب يختلف عن الآخر كما لم أتوقع، وجميعها تتعلق بالرعب والموت. وكمن يجد نفسه مستعداً لإطلاق النار؛ اخترت أن أسلك مساراً عاطفياً هذه المرة.

هذا جيد جداً، إمكانيات كل فنان لها حدود، فإنك عندما تكون واعياً بحدود إمكانياتك، ستكون قادراً على تفجيرها، مع العلم بأنه لا أحد يستطيع الوصول لكل شيء وتقديمه وجمعه في آن واحد، بصراحة، الجميل في الفن هو كونه مساحة مخططة محورية، مساحة فيزيائية وعقلية، فمحاولاتك في جمع العالم كله في صفحة واحدة، ستحول الأمر إلى فوضىً عارمة. إن الفنَّ عبارة عن التخلص تقريباً من كل شيء مقابل التركيز على أمر معين تود تناوله والحديث عنه بطريقتك.


تكنولوجيا:

هل تجد صعوبة في إقحام التكنولوجيا في أعمالك، كالبريد الإلكتروني مثلاً أو الهواتف النقالة؟ لأنني من رأيي أجد التكنولوجيا ظهرت في تاريخ غير محدد، أظنها في العام ١٩٧٨ أو ١٩٨٤، يعني لا أعتقد بأنها تعود إلى نوعٍ معين من الخيال.

هذا سؤال مثير حقيقة. في رواية (كتاب الأوهام) التي تم نشرها في الثمانينات، كان هناك دوراً فاعلاً لآلة الفاكس، حدثٌ مهم جرى من خلالها، لذا أقول بأنني لست ضد الحديث عن التكنولوجيا بحد ذاتها. أيضاً في الكتاب الذي أعمل عليه الآن هناك ظهور خاص للبريد الإلكتروني والهواتف النقالة كذلك.

لأكون صريحاً معك، أنا من القلة القليلة الذين لم يقتنوا الكومبيوتر بعد، فلا أكتب على معالج نصوص، بل أكتب على الآلة الكاتبة. لا أملك بريداً إلكترونياً ولا أفكر حتى بإنشاء واحد. لكنني لست ضد الحديث عن أي شيء وكل شيء، بل على العكس أظن أن بهجة الرواية وجمالها يكمن في أنها تنفتح على كل شيء وأي شيء وُجد في ذلك الوقت، فليس لدي استثناءات، فلا أقول: “هذا غير مسموح به لأنه كذا وكذا...”

ليست مقاطعة إيدولوجيات بالطبع، لكنني أكثر ميلاً إلى التواني عن إقحام مثل هذه الأشياء في العمل. أستخدم البريد الإلكتروني أحياناً، لكنني لو أقحمته في الخيال الروائي أشعر بأنني تجاوزت الخيال من فوري، يبدو لي كما لو أنني أُنحّي الخيال شيئا فشيئاً من الصفحات.

هذا يقودنا الى أكثر التساؤلات تداولاً طوال سنوات. كما تعلم هناك ثلة من المتحمسين للتكنولوجيا يقولون بأن هذه التكنولوجيا ستغير العالم وطريقة تفكيره، وأنها ستقوم بصناعة ثورة في حياتنا، وليس فقط حياتنا فيزيائياً ولكن ذواتنا الداخلية كذلك. لكنني لا أؤمن بهذه الفكرة مطلقاً لسبب واحد بسيط، هو أننا لدينا أجسادٌ تمرض وتموت وتحب وتعاني وتحزن وتغضب كذلك. هناك ثوابت في حياة الإنسان البشري سواء عشت في روما القديمة أو أميركا المعاصرة، فلا أعتقد بأن الناس تغيرت بسبب غزو التليغراف أو الراديو أو الهواتف النقالة أو بسبب الطيارات أو حتى بسبب أجهزة الكومبيوتر هذه.

سبع أو ثمان سنوات مضت، تمت دعوتي إلى إسرائيل من قبل مؤسسة القدس، فأقمت هناك في مكان للفنانين يدعى “Mishchanot” مكان رائع حقيقة كان عمري وقتها خمسون عاماً ولم يسبق لي أن زرت إسرائيل من قبل، كنت يهودياً قاوم هذه الفكرة طوال حياته، فقط كنت أنتظر اللحظة المناسبة، فعندما وصلتني الرسالة من (تيدي كولك) التي تنص على أنهم يودون دعوتي للإقامة لثلاثة الى أربعة أسابيع في المبنى وكتابة أو عمل أي شيء آخر أود فعله، فشعرت بأنها اللحظة الحاسمة والمناسبة للذهاب، فذهبت بمرافقة زوجتي سيري وابنتي (صوفي). قمنا بعمل جولة في الأنحاء، كما زرنا بلدة قمران حيث تم اكتشاف مخطوطات البحر الميت، كان هناك أيضاً متحف استثنائي يحوي العديد من المخطوطات والآثار التي تم جمعها من الكهوف والمواقع الأثرية، هذه الآثار كانت مذهلة حقاً فهناك تلك الصحون التي قد تجدها اليوم في المتاجر وتستطيع شراءها، بنفس الطبعات والتصميم، أو السلال التي قد يحملها أي فرنسي أو إيطالي للذهاب إلى السوق. اليوم! فاجأني هذا الوحي، عن أنه كيف لحضارات الإنسان أن تتشابه هذا التشابه الإستثنائي وعبر عصور، لذا أشعر بأننا نستطيع أن نقرأ (هوميروس) و(سفوكليس) و(شكسبير) وكأننا نقرأ عن أنفسنا وحياتنا.

لقد قضيت مقتبل العشرينات من عمري في منطقة الخليج، في الثمانينات من القرن الماضي، وشهدت هذا الإنفجار الإستثنائي للإيدولوجيات الحوسبة، وميلاد المجلات الإلكترونية وكل مافي هذا السياق. كان هناك خوض مريع في فكرة أن حياة البشر لن تبقى على نفس الوتيرة طالما وجد هذا العالم الإفتراضي، فعلى سبيل المثال، لو قمت بقراءة سيرة المنظر السينمائي الروسي (دجيقا فيرتوف)، قبل مئة سنة عندما كان يؤسس نفس متطلبات الأفلام اليوم، ولو بحثت لعقد أو أكثر ستجد نفس الأمر ينطبق على ظهور الراديو أيضاً.  

يبدو الأمر ثورياً إذن. العالم الآن في تباعد فظيع، لكنه أصبح على اتصال ببعضه مع ظهور هذه التكنولوجيا، ولكن هذا لا ينفي وجود المخاطر بوجودها، فأبناؤنا المراهقون اليوم يقضون معظم أوقاتهم أمام الشاشات والعالم الإفتراضي هذا، ولا يعيشون حياتهم ويستمتعون بزهرة العمر، ولكن حين يكبرون وتصدمهم الحياة من حولهم سيدخلون غمار الحياة بجانبنا تماماً.

الجميل في الأمر بأن هذا العالم الإفتراضي يحتوي على الكثير من الكتابة. حيث أننا كنا نمارس نشاط الكتابة والقراءة بحد ذاتهما، حتى ظهر هذا النشاط الذي تم تصنيفه قراءة وكتابة كوضعٍ بديلٍ تماماً، صارعلى هيأة مراسلات يومية.

بالضبط! هذا يعود بنا إلى السؤال عن الخيال الروائي، عبر الأجيال صار الناس يتنبؤون بموت الرواية، على الرغم من أنني أؤمن بأن القصص المكتوبة ستواصل النهوض والمقاومة، لأنها تُجيب على كل مايحتاجه العقل البشري. من جانبي أعتقد بأن الأفلام قد تختفي قبل الرواية، لأن الرواية هي المكان الوحيد الذي يجمع بين غريبين بمحض الصدفة، بحيث أن القارئ والكاتب هما من يصنع الرواية سويةً، لأنك كقارئ ستقتحم الوعي الباطن لشخص آخر ستعوم أغوار دواخله وستقوم باكتشاف أشياء قد تكون وجدت داخلك أنت، وهذا بدوره سيمدك بالحياة أكثر.

يعجبني حرصك على تخصيص التجربة، بغض النظر عن تضخم الرواية، القراءة بحد ذاتها تجعلك تحدد استحالة شمولية التجربة وتشابهها من شخص لآخر. القراءة سلوك حميمي ونشوة مفروضة.

للرواية قارئ وحيد، هو ذاته من يحقق ذلك. شخص واحد في كل مرة يشارك الكاتب هذه الحميمية.

Continue Reading →

لقاء جوناثان ليثيم مع بول أوستر (ج.١)

بول أوستر
 بول أوستر كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد مدينة نيو آرك في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، في سنة 1947، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، كما أنه اشتهر بترجمته للشعر والكتب باللغة الفرنسية.
“هذا العالم بكل تأكيد كبيرٌ ومدهشٌ بشكل كافٍ ليُرغمك على اتباع طريقة جديدة في كل مرة تود الكتابة عنه”، كما يقول (بول أوستر).

منح (بول أوستر) الكثير من المقابلات أكثر مما فعل معظم الكتّاب المعاصرين أمثاله. (أوستر) الذي ظهر لجمهوره بشخصية الفنان الفيلسوف المكتئب الذي كرّس نفسه لفنّه عن طيب خاطر وبعيداً عن هذا العالم.

هذه مقابلة له مع الكاتب (جوناثان ليثيم)، نُشرت في مجلة The Believer فبراير عام ٢٠٠٥ كما جمعها (جيمس هاتشسون) مع العديد من المقابلات لبول أوستر وقام بنشرها عام ٢٠١٣ في كتاب بعنوان: Conversations with Paul Auster. ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية:


(بول أوستر) هو شاعر قبل كل شيء، كاتب ومترجم لكن بعد ظهور رواية (مدينة من زجاج) [١٩٨٥] صار يعرف عموما بأنه الروائي الأكثر وضوحاً وأناقة. تناولت رواياته لوحاتٍ وأغانٍ، آلات فاكس وامرأة بدينة تومئ بطريقة أوبرالية! كما أن معظم أبطال رواياته بما فيها (موسيقى الحظ) و (كتَاب الأوهام) و (ليلة التنبؤ) هم على الأغلب كتّابٌ وفنانون. كان من السهل جداً على معجبي وقراء (أوستر) الشباب التمييز بين الصواب والخطأ بأنفسهم وبرفقة الكاتب نفسه حين يضعهم في مواجهة مباشرة مع الصفحات .

وفي العشرينات من عمري، كنت أشق طريقي ككاتب، حيث كنت من أشد المعجبين بـ(بول أوستر)، بعد سنوات وعندما كنت محظوظاً كفاية، ها أنذا تواتيني الفرصة للتعرف على (بول أوستر)، ولم يخب ظني أبداً.

ـ جوناثان ليثيم


موسيقى الجسد:

ماذا كنت تفعل سابقاً في هذا اليوم قبل أن تجدني أقف على باب منزلك؟

أستيقظت صباحاً، قرأت الصحف، وشربت إبريقاً من الشاي، ثم توجهت إلى شقتي المجاورة للعمل قرابة الست ساعات، كالعادة. وبعد ذلك توجب علي القيام ببعض الأعمال، وكما تعرف فوالدتي توفيت منذ سنتين، لزمني التوقيع على بعض أوراق وسندات التأمين، ثم توجهت الى كاتب العدل كي أقوم بختم الأوراق ثم قمت بإرسالها إلى المحامي. عدت إلى المنزل، قمت بقراءة رسالة وردتني من ابنتي ثم صعدت إلى الطابق العلوي لأقوم بسداد بعض الفواتير. يوم عادي كما أظن، العمل على كتابي وإنجاز بعض المهام الروتينية المملة.

بالنسبة لي، فخمسٌ إلى ست ساعات من الكتابة هي زمن وفير، فحين لا أكتب فإن هذا الوقت نعمة كافية ومرضية لأن أقوم بعمل أشياء ومهام أخرى.

أوه! هذا مريع.

نعم مريع جداً.

لقد تيقنت بأن كتابة الروايات هي نوعاً مّا كتجربة، تستغرق منك جهداً فيزيائياً وعقلياً، فأجدني أمام مواجهة أمر الكتابة يوميا لكي أحافظ على نفس الوتيرة، لأجل أن أحافظ على تركيزي الشديد فيما أكتب، وكذلك في أيام الإجازات إن كان ذلك ممكناً مالم أرتبط بمواعيد عائلية، فعلى الأقل أعمل في الصباح. عندما أسافر، فإنني أنفصل وينقطع حبل أفكاري تماما، فلو نفرض بأنني سافرت لأسبوعين فإن الأمر يستغرق مني أسبوعاً لمعاودة الاتزان على نفس الوتيرة التي كنت عليها.

لقد شد انتباهي وصف الجهد المبذول في الكتابة بأنه فيزيائي وعقلي. لدي نفس متلازمة الاستمرارية، بالرغم من أنني لا ألزم نفسي بعدد معين من الكلمات أو الصفحات أو حتى الساعات، فإن متلازمتي هذه تكمن في كوني يجب أن أكتب كل يوم، فعندما تصل الرواية الى مراحل ازدهارها، قد تلفت نظرك تلك القوة البدنية في المحافظة على التوجه في نفس الخط.

هناك شيء ما في إيقاعات اللغة التي تتوافق مع إيقاعات أجسامنا، فأرى أن  معظم الجهد المبذول في كتابة النصوص النثرية هو بناء جمل تُوائمُ إيقاع موسيقانا الداخلية. تلك الموسيقى هي قوىً فيزيائية، مُضنٍ جداً أن تكتب وتكتب وتكتب حتى تظهرها على نحو يتفق مع هواك. هكذا هي الكتابة بالنسبة لي؛ لطالما شعرت بأنها تخرج من جسدي كله وليس عقلي فقط، ففي كتابتي المعتادة، أستطيع سماع صوت الكلمات بينما يخدش قلمي سطح الورق.

في الحقيقة، أنت لا تكتب بطريقة فيزيائية فقط، بل تقرأ بذات الطريقة أيضاً، بحيث أن القارئ النبيه هو الذي ينقب عن المعاني الخفية في الكتاب، فيتلقاها عبر جسده وروحه، وهذا مايفتقر معظم الناس إليه لفهم الخيال الروائي، فهم أيضاً لا يستشعرون النثر عموماً على هذا النحو، فقد اعتادوا على قراءة الصحافة اليومية، والجمل المركبة بطريقة فنية لنقل المعلومات والحقائق الواقعية. من جهة أخرى توقن بأنه كان لزاماً على الشعر أن يكون موسيقياً.

أعتقد أن ذلك يتعلق بالانزعاج الشديد من الدعاية، الكثير من التركيز على وجوب فهم محتوى العمل، مما ينتج عنه  لا محالة عدم التناغم الموسيقي الذي أشرت إليه من جهة القارئ، كما لو أنه يشبه الارتحال بعيداً بالجسد، ثم رسم مخطط له ومحتوى معين ثم توجيهه.

أنا لا أعرف لمَ تغيرَ العالم إلى هذه الدرجة، انه يحاول نشر فكرة ظهور الكُتّاب للعامة في جولات الكتب من أجل التحدث عن أعمالهم، أمرٌ أجده بالغ الصعوبة. إلى حد مّا، قد يكون دافع الكُتّاب للقيام بهذه الجولات هو الشعور بالمسؤولية تجاه دور النشر والقراء.

حاولت أن أحدد موقفاً، فكنت من الفينة والأخرى أحاول الظهور والبدء بذلك وبدافع من الصدق والأمانة، بعدها أتمنى لو أظل بمفردي في أقرب فرصة مواتية. كمثال، عندما نشرت روايتي الأخيرة تلك (ليلة التنبؤ) رفضت ببساطة الخروج في جولات كتاب، إنني فقط لا أملك القدرة التحملية الكافية لفعل ذلك.

(كازو ايشجورو) يمتلك حساً دعابياً عندما يحين الحديث عن ذلك، يظن كما لو أنه خطأ توافقي عملاق أقدم عليه جميع الكتّاب واتفقوا عموماً عليه، بعد ذلك اقترَح أننا قد نحتاج لإيقاف ذلك يداً واحدة، إنه أمر يشبه إصداراً من لعبة (معضلة السجينين) إن قام أحد منّا بذلك فيتوجب على جميع الكتّاب أن يحذوا حذوه، والأمر ذاته لو رفض أحدهم فعل ذلك.

إنه يتحدث عن تجربة شخصية. لقد فعل مالم يفعله أحد من قبل. في أحد المرات كان في جولة لكتاب، قبل مايقارب السنتين، فقد جال كل بلد نُشر فيها كتابه، وفي نهاية المطاف اكتشف بأنه لأمر مجهد جداً وبلا فائدة.

هل سبق وقرأت The Unconseld؟

لقد وددت ذلك.

أرى أنها من أفضل الروايات بالنسبة للكُتّاب الحاليين، ملحمة كافكائية/ سريالية جمعت عدداً من عازفي البيانو كما لم يحدث قط. أشعر بأن الوصف الممكن هي أنها جاءت بأفضل وأكمل جولة كتاب قام بها كاتب من قبل.

على ذكر (كافاكا)، هناك مدخل جيد ومشابهٌ لجولات الكتاب هذه من يوميات (كافكا) التي كان يتحدث فيها عن كاتب خيالي يقدم قراءاته بصوت عالٍ للجماهير، عدا أن الناس أصبحوا يصابون بالملل والإحباط من ذلك، بينما كان يقنعهم: “قصة أخيرة”، “فقط قصة أخيرة” لكن الناس بدأت تهم بالرحيل، فتسمع خبط الأبواب ، ثم توجه للتوسل: “فقط مرة واحدة، واحدة أخيرة” إلى أن رحلوا جميعاً وبقي يصارع وحدته على المنصة، يقرأ لغرفة فارغة.


أفلام:

بدا عليك مؤخرا بأنك أعدت تشكيل علاقتك مع كتابة الرواية، أعني أستطيع الحكم على ذلك من خلال عمليك الأخيرين، وكذلك الرواية التي قلت بأنك تعمل عليها حالياً  -وهذا خبر سارٌ لجميع قرائك-

نعم وأعمل عليها بشكل عميق جداً .

أجدني في اتفاق تام معك، عندما تتحدث عن الحصرية التي تحتاجها الرواية، يدفعني ذلك للتساؤل عن السنين التي كنت فيها سعيداً بصناعة الأفلام، هل تعتقد بأنك ستتوجه بعمق نحو ذلك؟

لقد علقت شباكي وسط صناعة الأفلام، كنت دائماً شغوفاً بها، لدرجة أني في شبابي – تقريباً سن التاسعة عشر أو العشرين- ظننت بأنني سأصبح مخرج أفلام! السبب في كوني لم أفلح في ذلك الأمر أو بالأحرى ابتعدت عن التفكير في ذلك هو معرفتي بأنني لا أملك الكاريكتار المناسب  لذلك. في ذلك الوقت من حياتي، كنت خجلاً قليلاً، فلم أكن أستطعِ الحديث على منصة مثلاً أمام الجميع، لذا كنت أفكر، إن كنت سأضل ذات الشخص الصامت المتجهم المكفهر، فلن أستطيع التواصل بشكل مؤثر مع الممثلين وفريق التصوير وما إلى ذلك. لذا عزفت عن تلك الفكرة. ومن المفارقات العجيبة هي أنني وبعد أن قمت بنشر روايتي -التي تم تقديمها كفيلم فيما بعد- بدأ الناس يتحدثون معي حيال حقوق الفيلم المحتملة، وسيناريو الفيلم، ثم بعد ذلك وجدتني مُقحَماً في ذلك.

في رواياتك الأخيرة قد لمست تحولاً متقناً لتوجهك من الأفلام نحو الخيال الروائي، فيمكنني القول بأن الكتابين الأخيرين كانا يتمحوران حول قصة فنان مّا، ففي روايتك (كتَاب الأوهام)، الشخصية الرئيسية كانت لصانع أفلام، والقارئ آنذاك يستطيع أن يرسم في مخيلته صوراً لأفلام بهية ورائعة، أيضا في (ليلة التنبؤ) فالشخصية الرئيسية كذلك كانت تتمحور حول كاتب مّا أو روائي على وجه التحديد، كنا معه في خضم تطور روايته واكتمالها. لذا كنت أتساءل هل لذلك علاقة بتحول توجهاتك؟

دعني أفصّل في ذلك قليلاً. خلال سنوات عملي في صناعة الأفلام، لا أصدق أبداً أنني تخليت عن كتابة الروايات. فلميّ المخرج وايان وانق استغرقا عامين من حياتي، وقد كانت تجربة رهيبة. الخروج من غرفتي والعمل مع الناس كانت متعة خالصة بالنسبة لي آنذاك، تُوسّع مجاري تفكيري وتجددها.

وللحديث عن فيلم “Lulu on The Bridge” كتبتُ السيناريو للمخرج (ويم وندرز) قبل أن يحدث خلاف على ذلك، ولم يصبح قادراً على إخراج الفيلم. وفي وسط إلحاحٍ شديد قررت أن أعمل على ذلك بنفسي، وهكذا فجأةً! فقد استهلكَ من عمري سنتين إضافيتين، لكن مجدداً فإنني أود القول بأنها كانت تجربةً لا مثيل لها. ثم بعد ذلك بدأت الحملة الدعائية، التي كانت مجهدة أكثر من صنع الفيلم نفسه، أنت تظن أن تأليف الكتُب أمرٌ صعبٌ وشاقٌ جداً، لكن صناعة الأفلام أكثر من ذلك. أستطيع إلى الآن تذكّر الأربعين مقابلة التي أجريتها، واحدة تلو الأخرى، حتى تعبت، وكنت منهكاً جداً ثم نُقلت الى المشفى. عندها توصلت إلى قرارٍ حاسمٍ بالتوقف عن صناعة الأفلام إلى الأبد. فبقدر ما استمتعت في صناعة الأفلام وبقدر ماشعرت واعتقدت أنني أمسك زمام الأمر وأعتاد عليه إلا أنني أيقنت بأنها وظيفة بدوام كامل، وليست هواية أبداً، فقد أجبرت على التوقف عن الكتابة وقتها على الرغم من أن ذلك لم يكن وارداً ابداً. لم يكن لدي أدنى شك بأنه كان يجب علي أن أكتب الروايات والروايات فقط، لذلك وبكل رضا تام وبدون ندم فقد اعتزلت صناعة الأفلام.

ولكن للعودة للحديث عن رواية (كتاب الأوهام)، وإلى (هيكتور مان) وأفلامه، فإن شخصية (هيكتور) ولدت داخلي ونمت قبل أن أكون داخل دوامة الأفلام من الأساس، جاء الي يوماً من الأيام ربما في أواخر الثمانينات أو أوائل التسعينات على أقرب تقدير، ببزته البيضاء وشاربه شديد السواد، ولم أعرف ماذا أفعل حينها، ظننت أنه يتوجب علي الجلوس والبدء في كتابة مجموعة قصصية تشرح أفلامه الصامتة. ظل (هيكتور مان) بجانبي طوال سنين قبل أن تلتئم مجموعة القصص لتصبح هذه الرواية الآن، فيقول الناس  بأن هذا نتاج غزو (أوستر) لصناعة الأفلام، لكنها حقاً سبقت كل ذلك بكثير.

آخر ما أود قوله عن هذه المغامرة الصغيرة في صناعة الأفلام، هو أنه من النادر جداً لأحدهم أن يجد الفرصة المناسبة والعمر المناسب ليقحم نفسه في تجربة مّا – أتحدث عني في منتصف الأربعينات- فإنها كانت الفرصة المناسبة لئلّا أمارس كتابة الروايات ولمدة خمس سنوات على التوالي، النص الوحيد الذي كتبته خلال هذه المدة كان مقالاً ذاتياً عن المال.

هذا ما أصارع لأجله الآن، فأنا في منتصف مرحلة كتابة رواية -ليست الأولى بالطبع لأنني بدأت بكتابة الروايات مذ كنت في الثامنة عشر-

وأنا كذلك.

لم تكن بتلك الجودة طبعاً ، لكنني لم أتوقف عن هذا النشاط منذ ذلك الحين، لكن في السنتين الماضيتين، قمت بكميات هائلة من الترويج، وعملت على تجميع مجموعتين كتاباً من القصص وكتاباً من المقالات.

لا تخجل من ذلك أبداً، أعني جودة ماكنت تكتبه في السابق.

شكراً لك. لكن ذلك معناه أن الجسد الذي اعتاد على عشرين عامٍ من الممارسة، كجسد الرياضي مثلاً الذي اعتاد على التواجد في النواد الرياضية يضعُ أربطته ويبدأ الجري، جسدي كتابياً هو…

ضامر قليلا؟

صحيح، ضمور، إنه لأمر مرعب نوعاً ما، لدي صديق، روائي بحس عالٍ من الطموح المبهج الذي لا يخجل منه بصراحة، الأمر كان أشبه بجولة ملاكمة بين (نورمان ميلر) و(تولستوي)، قال لي أمراً ذات مرة: “انظر للسجلات، وستجد بأن أفضل سن للروائي هو من سن الثالثة والخمسين الى الخمسين، انه مفترق الطرق بين الطاقة الشبابية والخبرة“ وها أنذا أودع هاتين السنتين من عمري في طريقي إلى الأربعينات.

فقط لأؤكد لك ، أنا من أشد المؤمنين بأنه لا قاعدة تحكم الفن، فكل مسارٍ يختلف عن الآخر، الناشر الفرنسي الذي أتعاون معه قال لي ذات مرة أن الروائي لا يملك إلا عشرين عاماً، هو ذا عمر الازدهار الروائي، لست بالضرورة أتفق معه على ذلك. المثير في الأمر هو أنه كم يبدو من السهل ألا تقوم بكل أمر الكتابة هذا، لكن، وبالتأكيد فالكتابة هي ضرورة قصوى ومتعة في أغلب الأحيان وفي نفس الوقت قد تكون عبئاً كبيراً وصراعاً رهيباً .

سعيد لأنك قلت ذلك!

في حالتي أنا، فإنني حين أتوجه إلى غرفتي وأجلس على مكتبي أهم بالكتابة، لا أفعل ذلك وكأنني ملاكم مقبلٌ على عشر جولات مع (جو لويس) مثلاً، لا بل على العكس، فإنني أمشي على رؤوس أصابعي، وأماطل وأتأخر، أهتم بكل تلك الأمور التي لا يجب علي الاهتمام بها حينها، أجيء من الجانبين وأنزلق من خلال الأبواب، لا أنفجر وبيدي ستة طلقات جاهزة وإن فعلت فإنني أطلق النار على قدمي أنا.

رسائل أوستر وكوتزي عن الصداقة

بول أوستر، كاتب وروائي أمريكي، من مواليد 1947، تمزج كتاباته بين الوجودية، وأدب الجرائم، والبحث عن الهوية في أعمال مثل؛ (ثلاثية نيويورك) و(كتاب الأوهام) و(حماقات بروكلين). تُرجمت كتبه إلى حوالي أربعين لغة. أما جيه. إم. كوتزي، فمن مواليد 1940، كاتب وروائي ومترجم، من جنوب إفريقيا، حصل على جائزة نوبل في الآداب لعام 2003. من أعماله؛ (عصر الحديد) و(العار) و(العدو) و(إليزابيث كوستلو).

في كتاب (هنا والآن)، نُشرت عدد من الكلمات التي تراسلها الكاتبان على مدار أربع سنوات، تحديدًا من 2008 وحتى 2011. ابتدأ الكتاب برسالة من (كوتزي) يحكي فيها عن الصداقة، فيقول:

14 و15 يوليو 2008

عزيزي بول،

أفكر منذ فترة في الصداقات، كيف تنشأ، وكيف تدوم -أو يدوم بعضها- لفترات طوال، تتجاوز حتى علاقات الارتباط الغرامي التي أحيانًا ما نفترض -مخطئين- أن الصداقات نسخ باهتة منها. لقد كنت أوشك أن أكتب لك رسالة عن كل هذا، تبدأ بملاحظة أنه من المدهش أن ما كُتب في الصداقة قليل، في ضوء أهميتها في الحياة الاجتماعية، ومدى ما تعنيه لنا، لا سيَّما في الطفولة.775dd30cc09342f5b09e6fd35acaf8fb

لولا أني سألت نفسي إن كان ذلك صحيحًا. فمضيت إلى المكتبة لأتحقق بسرعة من الأمر، قبل أن أجلس للكتابة إليك. ويا إلهي، كم كنت مخطئًا. لقد وجدت سجلّ المكتبة يحتوي كتبًا بأكملها في الموضوع، عشرات الكتب، والكثير منها حديث. ولكنني حينما مضيت خطوة أبعد، فألقيت نظرة حقيقية على هذه الكتب، استرددت بعضًا من احترامي لنفسي. لقد كنت محقًا، أو شبه محق، فما تقوله هذه الكتب في الصداقة لا يكاد يثير الاهتمام، أو هذا حال أغلبها. إذ تبقى الصداقة لغزًا في ما يبدو؛ صحيح أننا نعرف أن الصداقة مهمة، لكن لماذا يصبح الناس أصدقاء ويبقون كذلك؟ هذا ما لا نملك إزاءه إلا التخمين.

ما الذي أعنيه حينما أقول إن المكتوب في هذا الموضوع لا يكاد يثير الاهتمام؟ قارن الصداقة بالحب. هناك مئات الأشياء المثيرة للاهتمام التي يمكن أن تقال في الحب. على سبيل المثال: يقع الرجال في غرام النساء اللاتي يذكّرنهم بأمهاتهم، أو بدلًا من ذلك، يذكّرنهم ولا يذكرنهم بأمهاتهم، اللاتي هن أمهات لهم ولسن أمهات لهم في الوقت نفسه. صحيح؟ ربما، وربما لا. مثير للاهتمام؟ قطعًا. والآن تعال إلى الصداقة. من الذين يتخذهم الرجال أصدقاء؟ رجال آخرون لهم تقريبًا مثل أعمارهم، ومثل اهتماماتهم، بالكتب مثلًا. صحيح؟ ربما. مثير للاهتمام؟ بالقطع لا.

دعني أسرد لك بعض ملاحظات عن الصداقة، جمعتها من زيارتي للمكتبة، وأراها مثيرة للاهتمام.

(1) لا يستطيع أحد أن يصادق شيئًا جامدًا، في ما يرى (أرسطو)، (الأخلاق، الفصل الثامن). بالطبع لا! من قال من قبل إن هذا ممكن؟ لكنه يبقى مثيرًا للاهتمام؛ فبغتة يرى المرء مصدر إلهام الفلسفة اللغوية الحديثة. إذ كان (أرسطو) قبل ألفين وأربعمئة سنة يبيّن أن ما يبدو من قبيل المسلّمات الفلسفية قد لا يزيد عن بعض قواعد النحو. ففي جملة “أنا صديق س” يقول (أرسطو) إن “س” لابد أن يكون اسمًا لكائن حي.

(2) قد يكون للمرء أصدقاء دون أن يرغب في رؤيتهم، كما يقول (تشارلز لام). صحيح، ومثير للاهتمام أيضًا، وهذا وجه آخر من أوجه اختلاف مشاعر الصداقة عن الارتباط الإيروتيكي.

(3) الأصدقاء، الذكور منهم في الغرب على الأقل، لا يتكلمون عن إحساسهم تجاه بعضهم بعضًا. قارن ذلك بثرثرة المحبين. وحتى هذا، ليس مثيرًا للغاية. لكن عندما يموت الصديق، ينصبّ الحزن: “أواه، فات الأوان”. سؤال: هل الحب ثرثار لأن الرغبة بطبيعتها تنطوي على مشاعر متضاربة، بينما الصداقة قليلة الكلام لأنها خالية من المشاعر المتضاربة؟

(4) ملاحظة لـ(كريستوفر تيتجنز) من (نهاية المسيرة) لـ(فورد مادوكس فورد)؛ وهي أن المرء يمضي بامرأة إلى سريره ليتسنّى له أن يتكلم معها. والمغزى: أن تحويل المرأة إلى عشيقة ليس إلا خطوة أولى، الخطوة الثانية، أي تحويلها إلى صديقة، هي المهمة، ولكن مصادقتك لامرأة لم تنم معها مسألة مستحيلة، إذ يبقى الكثير عالقًا في الأجواء.

لو صحّ بالفعل أنه من الصعب قول أي شيء مثير للاهتمام في الصداقة، فبالإمكان المضي إلى نظرة أبعد: فنقول إن باطن الصداقة يتفق وظاهرها، خلافًا للحب أو السياسة اللذين لا يتفق باطنهما مطلقًا مع ظاهرهما، أي أن الصداقة شفافة.

أكثر التأملات إثارة للاهتمام في موضوع الصداقة هو الذي يأتينا من العالم القديم. لماذا؟ لأن أناس العصور القديمة كانوا لا يرون أن الموقف الفلسفي في صلبه هو موقف تشكك، ومن ثم كانوا لا يرون أن من جملة البديهيات أن باطن الصداقة لا بد أن يكون شيئًا آخرًا غير ظاهرها، أو يخلصون -في المقابل- إلى أن الصداقة هي ظاهرها ومن ثم فلا يمكن أن تصلح موضوعًا للفلسفة.

أطيب التمنيات،

جون.

وكان رد (أوستر) على الرسالة السابقة كالآتي:

29 يوليو 2008

عزيزي جون،

هذا سؤال أطلت التفكير فيه على مدار السنين. قد لا أقول إنني انتهيت في الصداقة إلى موقف متماسك، ولكنني ردًا على رسالتك، التي أثارت بداخلي زوبعة من الأفكار والذكريات، أظن أن اللحظة المناسبة لذلك قد حانت.

بادئ ذي بدء، سأحصر نفسي في حدود الصداقات الذكورية، أعني صداقات الرجال، صداقات الأولاد.

(1) نعم، هناك صداقات شفافة وخالية من المشاعر المتضاربة -بتعبيرك-، ولكنها ليست كثيرة، في ضوء تجربتي. ولعل لهذا علاقة بمصطلح آخر من مصطلحاتك: قلة الكلام. إنك تصيب إذ تقول إن الصداقات الذكورية -لا سيما في الغرب- تنزع إلى قلة الكلام، فلا يتكلم الصديق مع صديقه عمّا “يشعران به تجاه أحدهما الآخر”، وسأمضي بهذا خطوة أبعد فأقول إن الرجال لا يميلون إلى الكلام عن مشاعرهم، ولا أزيد.

ولو أنك لا تعرف كيف هو شعور صديقك، أو ما شعوره، أو سبب شعوره، فكيف بصدق تقول إنه صديقك؟ ومع ذلك تدوم الصداقات، ولعقود كثيرة في الغالب، في هذه المنطقة الغامضة من عدم المعرفة.

[…]بول أوستر

موجة مُخيّة مباغتة: أفضل الصداقات وأبقاها ما يقوم على الإعجاب. هذه هي صخرة الشعور التي تربط بين اثنين على المدى البعيد. أن يعجبك شخص لما يفعله، لما هو إياه، لكيفية اجتيازه سبيله في الحياة. إعجابك به يعلي من شأنه في نظرك، يضفي عليه نبلًا، وسموًا إلى مقام تحسب أنه أعلى من مقامك أنت. ويعجب بك هذا الشخص أيضًا، فيعليك هذا عنده، ويضفي عليك نبلًا، وسموًا إلى مقام هو عنده يفوق مقام نفسه، ثم إذا بكما في موقف من المساواة التامة. وإذا بكل منكما يعطي أكثر مما يأخذ، وفي ظل هذا التبادل، تزدهر الصداقة. يقول الكاتب الفرنسي (جوبير) في (الدفاتر) 1809: “على المرء أن لا ينمّي أصدقاءه فحسب، بل والصداقات في نفسه. لا بد من صيانتها، ورعايتها، وريّها”. و(جوبير) أيضًا يقول: “إننا دائمًا ما نفقد صداقة من نفقد احترامنا لهم”.

(2) الأولاد. الصداقة أشد مراحل حياتنا توترًا، لأن كل ما نفعله فيها إنما نفعله للمرة الأولى. وليس هنا ما أقدمه غير الذاكرة، ولكن الذاكرة تُبرز -في ما يبدو- القيمة المطلقة التي نوزعها للصداقة في صغرنا، بل في صغرنا البالغ. […] أنت تميز في رسالتك بين الصداقة والحب. ولكن في صغرنا، قبل أن تبدأ حياتنا الإيروتيكية، لا يكون ثمة فارق. تكون الصداقة والحب شيئًا واحدًا.

(3) ليست الصداقة والحب شيئًا واحدًا. الرجال والنساء. الفرق بين الزواج والصداقة، ومقتطف آخر من (جوبير) 1801: “لا تتخيّر زوجة إلا امرأة لو كانت رجلًا لاتخذتها صديقًا”، صيغة أخرى عبثية في تصوري، إذ كيف لامرأة أن تكون رجلًا، ولكن الفكرة تصل على أية حال، وهي جوهريًا غير بعيدة عن ملاحظة (فورد مادوكس) في (نهاية الموكب) وتأكيده الظريف النزق على أن “المرء يصطحب المرأة إلى السرير كي يتسنى له الكلام معها”.

الزواج في المقام الأول حوار. وإذا لم يعرف زوج وزوجة كيف يكونان صديقين، فليس للزواج إلا فرصة ضئيلة للبقاء. الصداقة من مكوّنات الزواج، ولكن الزواج مهمة في طور التنفيذ طوال الوقت، دائم التطور، مسعى لبلوغ المرء أعماق نفسه وإعادته اختراع ذاته في علاقته بالآخر، بينما الصداقة نقية، أعني الصداقة بعيدًا عن الزواج، تميل إلى أن تكون أكثر ثباتًا، وتهذيبًا، وسطحية. ونحن نتوق إلى الصداقة لأننا كائنات اجتماعية، وُلدنا من كائنات ومقدور لنا أن نعيش وسط كائنات إلى يوم أن نموت، ومع ذلك تأمّل الشجارات التي تقع في أفضل الزيجات، الخلافات المحتدمة، الإهانات الملتهبة، الأبواب المصفوقة والأطباق المتهشمة، فكّر في ذلك وسوف ترى على الفور أن أمثال هذه السلوكيات لا يمكن أن تكون مقبولة في غرف الصداقة الرزينة. الصداقة احترام، وطيبة، وثبات شعوري. والأصدقاء الذين تعلو أصواتهم على بعضهم البعض نادرًا ما يبقون أصدقاء. في حين أن الأزواج والزوجات الذين تعلو أصواتهم على بعضهم البعض غالبًا ما يستمرون في زيجاتهم، بل وتستمر زيجاتهم هذه في سعادة.

هل يمكن أن تقوم صداقات بين الرجال والنساء؟ أعتقد أنه ممكن. ما لم يكن ثمة انجذاب جسدي. ولا يكاد الجنس يدخل المعادلة، حتى يتوقف قبول الرهانات.

[…]

مع أدفأ الأفكار من نيويورك الساخنة،

بول.

رسائل (أوستر) و(كوتزي) عن الرياضة

بول أوستر، كاتب وروائي أمريكي، من مواليد 1947، تمزج كتاباته بين الوجودية، وأدب الجرائم، والبحث عن الهوية في أعمال مثل؛ (ثلاثية نيويورك) و(كتاب الأوهام) و(حماقات بروكلين). تُرجمت كتبه إلى حوالي أربعين لغة. أما جيه. إم. كوتزي، فمن مواليد 1940، كاتب وروائي ومترجم، من جنوب إفريقيا، حصل على جائزة نوبل في الآداب لعام 2003. من أعماله؛ (عصر الحديد) و(العار) و(العدو) و(إليزابيث كوستلو).

في كتاب (هنا والآن)، نُشرت عدد من الكلمات التي تراسلها الكاتبان على مدار أربع سنوات، تحديدًا من 2008 وحتى 2011. وقد وردت رسالة من (كوتزي) يشتكي فيها تضييع أوقاته في مشاهدة الألعاب الرياضية، فقال:

30 ديسمبر 2008

عزيزي بول،

[…]

الصيف في ذروته في هذا النصف من الكوكب، وقد قضيت أغلب يوم الأحد جالسًا أمام شاشة التلفزيون، أشاهد ثالث يوم في مباراة الكريكت خماسية الأيام بين منتخبي أستراليا وجنوب إفريقيا الوطنيين. استلبتني تمامًا، انغمست فيها عاطفيًا، فما عدت أقدر على انتزاع نفسي إلا بشق الأنفس. وكنت لكي أشاهد المباراة قد أزحت الكتابين أو الثلاثة التي كنت أقرأ فيها.

الكريكت تلعب منذ قرون. ومثل جميع الألعاب، هناك الكثير جدًا من الحركات التي يمكنك أن تقوم بها، كثير جدًا من التأثيرات التي يمكنك أن تحدثها. محتمل جدًا أن لا تكون مبارة الثامن والعشرين من ديسمبر في ملبورن بجميع تفاصيلها إلا صورة طبق الأصل من كل ناحية ذات شأن لجميع تفاصيل مباراة كريكت في مكان أخر. لا بد أن كل متابع جاد لا يبلغ الثلاثين من عمره إلا وقد مر بلحظات (ديجافو)، بل لعل الأمر يتجاوز اللحظات إلى الفترات الكاملة. وإذن فثمة مبرر قوي للقول بأن كل شيء قد حدث من قبل. في حين أن هناك شيئًا واحدًا يمكنك قوله في حق كتاب جيد، وهو أنه لم يُكتب من قبل.

ما الذي يجعلني إذن أضيع وقتي مرميًا أمام شاشة التلفزيون أشاهد الصغار يلعبون؟ إنني أقر بأنها مضيعة للوقت. صحيح أنني أجني خبرة، ولكنني لا أجد في هذه الخبرة نفعًا من أي نوع كان. أنا لا أتعلم شيئًا. لا أخرج بأي شيء.

هل أيٌّ من هذا مألوف لديك؟ هل يمس فيك وترًا تعرفه؟ هل الرياضة ببساطة كالخطيئة؛ يستهجنها المرء لكنه يتوق إليها بدافع من ضعفه البشري؟

صديقك إلى الأبد،

جون

فكان رد (أوستر) المطوّل بعد ذلك:

10 جون 2009

عزيزي جون،

[…]

أتفق معك أنه نشاط تافه، مضيعة حقيقية للوقت. ومع ذلك ما أكثر الساعات التي ضيَّعتها من حياتي بهذه الطريقة على وجه التحديد، وكم من أصائل بددتها كما فعلتها أنت في الثامن والعشرين من ديسمبر. الحسبة كلها لا بد أن تكون صادمة، ومجرد التفكير فيها يملؤني بالخجل.

تتكلم مازحًا عن الخطيئة، لكن ربما المصطلح الحقيقي هو “المتعة المصحوبة بإحساس بالذنب” أو ربما “المتعة” وحسب. في حالتي أنا، الرياضات التي أهتم بها هي تلك التي كنت ألعبها بانتظام في صباي. يجد الواحد نفسه فاهمًا اللعبة فهمًا حميمًا، ومن ثم يكون قادرًا على تقييم براعة المحترفين ومهاراتهم المدوِّخة في كثير من الأحيان. لا أبالي مطلقًا بهوكي الجليد على سبيل المثال لأنني لم ألعبه قط ولا أفهمه حقًا. وفي حالتي أيضًا، أميل إلى التركيز على فرق معينة ومتابعتها. وانغماس المرء في المشاهدة يزداد عمقًا حينما يكون اللاعبون مألوفين له فردًا فردًا، فكلُّ منهم شيء معلوم، وهذه الألفة تزيد المرء قدرة على احتمال الملل، في كل تلك اللحظات السقيمة التي لا يحدث فيها أي شيء من أي نوع.

لا شك أن في الرياضة مكوّنًا سرديًا قويًا. نحن نتابع التفافات الصراع وانعطافاته لنعرف النتيجة النهائية. لكن لا، ليست بالضبط كقراءة كتاب -على الأقل ليست كالكتب التي نكتبها أنت وأنا-. لكنها قد تكون على علاقة وثيقة ببعض أنواع الأدب. فكِّر مثلًا في روايات الإثارة، والروايات البوليسية، التي تبقى دائمًا نفس الكتب، تتكرر بلا نهاية، آلاف التنويعات البسيطة على نفس القصة، ومع ذلك تجد الجمهور جائعًا إلى هذه الروايات جوعًا رهيبًا. وكأنما كل واحدة هي أداء جديد لطقس ما.بول أوستر

نعم، الجانب السردي هو الذي يبقينا حتى اللعبة الأخيرة، حتى دقة الساعة الأخيرة، ولكنني بصفة عامة أميل إلى أن أنظر للرياضة بوصفها نوعًا من الفن الأدائي. أنت تشكو من إحساس الديجافو في كثير من الألعاب والمباريات. لكن ألا يحدث لك مثل هذا عندما تذهب إلى حفل سوناتا البيانو المفضلة لديك من أعمال (بيتهوفن)؟ أنت تعرف المقطوعة عن ظهر قلب ولكنك تريد أن تسمع كيف يكون تفسيرها لدى عازف البيانو هذا بالذات. فهناك عازفو بيانو مشَّاؤون، وهناك عداؤون، ثم يأتي من يجعلك تحبس أنفاسك.

لا أعتقد أن حفلين موسيقيين تشابها يومًا تمام التشابه، في كل حركة. ربما. ندف الثلج جميعها تبدو متشابهة، ولكن الحكمة السائرة تذهب إلى أن لكل منها فرادتها. أكثر من ستة بلايين إنسان يسكنون هذا الكوكب، ويفترض أن بصمة أصابع كل واحد منهم تختلف عن أي شخص سواه. وفي مئات مباريات البيسبول التي شاهدتها -وربما الآلاف- هناك في كل مباراة تفصيلة صغيرة أو حدث لم يمر بي من قبل في أي مباراة أخرى.

الجديد فيه متعة، والمعروف أيضًا فيه متعة. متعة تناول طعام يعرفه المرء، متعة الجنس. مهما تكن غرابة الحياة الإيروتيكية للواحد منا، الأورجازم أورجازم، ونحن ننتظره بمتعة منبعها المتعة التي عرفناها فيه والتي منحها لنا في الماضي.

ومع ذلك، يظل المرء يشعر بالغباء بعد أن ينفق يومًا كاملًا  أمام التلفزيون يشاهد الصغار يتدافعون بأجسادهم. الكتب الموضوعة على المنضدة لم تُقرأ بعد. لا تعرف في أي شيء مضت الساعات، والأسوأ، أن فريقه خسر. لذلك أقول لك من باريس، وأنا عارف أن عمالقة كرة القدم في نيويورك سوف يلعبون غدًا مباراة مهمة وحاسمة ضد فريق قوي من فيلاديلفيا، أنني لن أتمكن من المشاهدة، وهذا يملؤني بالندم.

مع سلام هائل لك عابر للمحيطات والقارات،

بول.

وعلى ذلك رد (كوتزي) برسالته القصيرة:

6 أبريل 2009

عزيزي بول،

[…]

لا أحب من الرياضات ما تحمل نفسها على محاكاة الحرب، فيكون المهم فيها الفوز، ويكون الفوز فيها مسألة حياة أو موت، تلك الرياضات التي تخلو من الجمال، مثلما تخلو الحرب من الجمال. وفي أعماق عقلي، رؤية مثالية -لعلها ملفقة- لليابان، حيث شخص يحجم عن إلحاق الهزيمة بخصمه لأن ثمة عارًا في الهزيمة وعارًا في إلحاق الهزيمة.

أفضل الأمنيات،

جون.

وكان رد (أوستر):

8 أبريل 2009

عزيزي جون،

[…]

عندما اتستخدمت عبارة “لذة المنافسة”، أظن أنني كنت أشير إلى إحساس الانطلاق الذي ينتابك عندما تمنح نفسك كاملةً للعبة، والنفع الذي يجنيه الجسم والعقل من جراء التركيز المطلق في مهمة معينة في لحظة معينة، إحساسك بأنك “خارج نفسك”، وتخفِّفك مؤقتًا من عبء وعيك بذاتك. الفوز والخسارة لازمان لكنهما عاملان مؤثران ثانويان، ما هما غير مبرر لكي يبذل المرء أقصى جهده في إجادة اللعب، لأنه بغير بذل أقصى الجهد، لا يمكن نيل اللذة الحقيقية.

[…]

أريد من هذا أن أقول إنني معك. ليست الفكرة في الفوز، بل في الأداء، أدائك أقصى ما في وسعك. […] وإذن، لذة المنافسة تبلغ ذروتها عندما يتساوى الخصمان.

مع أفضل الأفكار،

بول.

فقال (كوتزي) في رسالة أخيرة:

19 يوليو 2010

عزيزي بول،

[…]

في الرياضة فائزون وخاسرون، لكن ما لا يبالي أحد بقوله هو أن الخاسرين أكثر بكثير من الفائزين. في بطولة فرنسا التي تجري منافساتها بينما أكتب إليك، بدأت المنافسة بحوالي مئتين، من بينهم واحد فقط سيكون الفائز، ومئة وتسعة وتسعون هم المهزومون، بمعنى أنه مهما تكن القصص التي سيعزّون أنفسهم بها هم مهزومون.

الرياضة تعلمنا عن الخسارة أكثر بكثير مما تعلمنا عن الفوز، وذلك ببساطة لأن كثيرين للغاية من بيننا لا يفوزون. وأهم ما تعلمه هو أنه لا بأس بالهزيمة. الهزيمة ليست أسوأ ما في العالم، ففي الرياضة، خلافًا للحرب، لا ينحر الفائز عنق المهزوم.775dd30cc09342f5b09e6fd35acaf8fb

تأمل تلك اللحظة بالغة الإثارة في حياة الصبي الصغير حينما يشارك في لعبة يتظاهر فيها الكبار أو الصبية الأكبر سنًا أنهم ينهزمون أمامه فيفوز طوال الوقت ويشعر كما لو أنه ملك صغير، وينتقل إلى الرياضة الحقيقية التي إذا لم تضرب الكرة فلا مكان لك في اللعبة، والتي تتنازل فيها عن المضرب لمن هو خير منك وتتقاعد أنت دونما مجد. تلك تكون صدمة للنظام النفسي لدى الصبي الصغير. تنتابه رغبة في الصراخ والغضب، وتجريب كل الحيل النافعة على أبويه. يريد أن يخضع الواقع لذاته. فلا يصل به كل ذلك إلى شيء. يقال له فقط: “امسح مخاطك يا ولد”. ويُقال أيضًا: “امسح مخاطك يا ولد، واستعد لجولة أخرى”.

لأن ذلك هو درس الرياضة العظيم: أنك تخسر أغلب الوقت، لكن ما دمت في اللعبة فثمة دائمًا غد، وفرصة لاسترداد نفسك.

في هذه المدرسة العظيمة المخصصة لتعلم الخسارة، لا يطردونك ما لم ترفض تقبل الخسارة، ما لم ترفض قرار المباراة وتتقاعد إلى عزلة جليلة.

[…]

مع أفضل أمنياتي،

جون.